مئوية الثورة العربية الكبرى .. الدروس والعبر والتحديات

مئوية الثورة العربية الكبرى .. الدروس والعبر والتحديات

 

سيبقى الاردن نموذج دولة الثورة العربية الكبرى، عرين دولة الهاشميين، وحاضن الثورة العربية الكبرى ووريثها الشرعي وحامل رسالتها النهضوية.
لقد مر مائه عام على الثورة العربية الكبرى، والتي شكلت نقطة تحول في تاريخ امتنا العربية، ويمكن قراءة بداياتها ومنهجية نضوجها كفكرة تحررية عربية وانسانية استفادت من المتغيرات الدولية وظهور حركة القوميات الأوربية للشعوب المقهورة في اوروبا في القرن التاسع عشر وهي مرحلة التفتح الفكري ومرحلة النهضة واليقظة التي صاحبت نشوء الرأسمالية الاوربية وانتشار التعليم وازدهاره وتقدم الطباعة وظهور الجمعيات العلمية والسياسية والمفكرين والاحزاب التي نادت بالحرية والعدالة الانسانية لكل الشعوب.
استطاعت قيادات الفكرة التحررية العربية لطلائع العرب في سوريا والعراق ولبنان والاردن وفلسطين ان تشكل وتقود حركه وعي عربي شعبي تحرري متصاعد ضد سياسة التتريك التي نادى بها العثمانيون الاحرار الجدد من خلال جمعياتهم السياسية السرية مثل جمعية الاتحاد والترقي من مدينة سالونيك، والتي قادت انقلابا عام 1908 ضد السلطان عبد الحميد الثاني وسيطرت على تركيا الجديدة التي انهت الخلافة الاسلامية وقطعت العلاقة مع الاسلام وتبنت دستورا تركيا جديدا.
هذه الفكرة التحررية وقياداتها البارزة، جمعية العربية الفتاة وجمعية العهد،فوضت الهاشميين من خلال الامير فيصل بن الحسين عضو الجمعية، بالتفاوض باسم العرب مع الحلفاء الانكليز(حسين مكماهون) الذين ادركوا ان الانتصار على الاتراك في الحرب العالمية الاولى لا يمكن ان يتم دون مشاركة العرب برئاسة شريف مكة وعائلته لما لهم من تأثير على العرب في الامبراطورية العثمانية الواسعة.
ومهما كان تأثير تداعيات الحرب الدولية الاولى عام 1916 وتداعياتها المتعددة الناتجة عن التنكر وخيانة الحلفاء لاتفاق حسين مكماهون والعرب بالاستقلال والوحدة وخصوصا وعد بلفور واتفاق سايكس بيكو لتجزئة سوريا الطبيعية « الهلال الخصيب «، او من خلال اجواء تراجع روح الدولة ومؤسساتها وتفسخ وفساد الدولة العثمانية في ايامها الاخيرة وخصوصا اعمال البطش والقتل الجماعي لطلائع الصحفيين والادباء العرب،المنددين بسياسة التتريك في دمشق ولبنان، بالرغم من كل ذلك كله ستبقى الثورة العربية تتميز دائما بانها :
ثورة عربية نهضوية تحررية ادت الى التحرر والاستقلال من النير العثماني الطويل الرابض على صدر العرب لمئات السنين، ونقطة تحول في تاريخ الامة، وخصوصا بعد ان اسست دولة الاردن عام 1921 التي اصبحت بعد الاستقلال نموذجا حضاريا لدولة الثورة العربية الكبرى سعت الى وحدة العرب والانفتاح على العالم وحضاراته وشعوبه، واوجدت مع شقيقاتها الدول العربية النظام العربي الحالي بعد تشكيل الجامعة العربية عام 1945.

ويمكن تقسيم تاريخ الثورة العربية الى خمسة اقسام رئيسية وهي :
– اهمية ثورة العرب على العثمانيين ومشروع الشريف حسين النهضوي بالتحرر والاستقلال.
– خيانة الحلفاء لمسيرة الاستقلال الوطني وعد بلفور واتفاق سايكس بيكو، وقرارات مؤتمر الصلح وعصبة الامم بتجزئة الوطن العربي واسقاط عاصمة الثورة والدولة في دمشق.
– حضور الانتداب البريطاني والفرنسي على العالم العربي والتحضير لاقامه الدولة اليهودية على ارض فلسطين.
– مؤتمر تشرشل في القاهرة عام 1921 يخرج الاردن من وعد بلفور،ارض شرق الاردن بلد الحشد والرباط لكل العرب، والعراق مملكة موحدة بتحالف بريطاني.
-استقلال المملكة الاردنية الهاشمية عام 46 تبعه استقلال معظم الدول العربية والاردن وريث وحاضنة الثورة العربية الكبرى، وعمان عاصمة الملوك الهاشميين منذ تأسيس الامارة عام 1921.
– يحسب للهاشمين انهم قادوا اول ثورة لنهضة الامة، الثورة العربية الكبرى عام 1916 ضد الظلم والتسلط العثماني بعد اتباع سياسة التتريك رسميا بعد انقلاب 1908 ادت بالتراكم الى تخلف الشعوب العربية واضطهادهم وافقارهم.
– يحسب للشريف الهاشمي حسين بن علي انه اطلق مشروعاً عربياً نهضوياً يدعو الى التحرر والاستقلال وانشاء دولة عربية واحدة والحفاظ على الحضارة العربية وهو بداية للنظام العربي الذي نعيشه الان.
– يحسب للشريف حسين ولأسرته واولاده انهم كانوا حلقة الوصل بين العرب وجمعياتهم وتنظيماتهم السرية والعلنية في دمشق وبيروت والقاهرة والتي نشطت بعد انتشار حركة الوعي الوطني نتيجة انتشار التعليم وانتشار المطابع والجامعات والارساليات والجمعيات السياسية.
– ويحسب للأمير فيصل بن الحسين عضو جمعية العربية الفتاة وحلقة وصل بينهم وبين أبيه الشريف حسين، وتدخل شخصيا لدى حاكم سوريا جمال باشا السفاح وباسم شريف مكة، للعفو عن 38 صحفيا عربيا طليعة الثوار الادباء الصحفيين، اعدمهم جمال السفاح لانهم قاوموا سياسه التتريك.
شهر ايار عام 1916
وعملت الجمعيات العربية كلها من اجل انهاء عهود من الظلم والبطش الذي مارسه جمال باشا ضد طليعة الثوار، والتخلف والفقر والجهل الذي ساد المناطق العربية، والثورة هي بداية لعودة العمل العربي من جديد بعد ظهور بوادر اليقظة العربية الجديدة وجمعية العهد والعربية الفتاة كطليعة عربية.
– يحسب للشريف حسين بن علي،واحرار العرب انهم استشرفوا واستفادوا من ظهور حركات التحرر والاصلاح العثمانية التي بدأت تتكون في الفضاء الاوروبي، من الطلاب الاتراك الذين تأثروا بالثورة الفرنسية وشعاراتها السياسية وكونت الجمعيات السياسية المعارضة حيث نادت بالقضاء على الفساد والتخلف والتسلط الذي بدأ يظهر في نواحي حياة الامبراطورية العثمانية في بداية القرن التاسع عشر، وظهر في صوره عدم المساواة في معاملة شعوب الامبراطورية العثمانية وخصوصاً حرمانهم (القوميات) استعمال لغاتهم الوطنية واتساع سياسة التتريك ايام مصطفى اتاتورك وكانت بداية اشعال الثورة ضد العثمانيين.
– يحسب للشريف حسين وطلائع حركات التوعية العربية استثمار المتغيرات التاريخية المتسارعة والتي حصلت في بداية القرن العشرين والتي ادت الى انفصال اجزاء مهمة من الدول العثمانية الملحقة عن الدولة الام كما في دول البلقان بلغاريا – الصرب- اليونان والتي كانت مؤشرا على تفكك الدولة العثمانية وبداية تحرر الشعوب المحتلة، استغله لاحقا الشريف حسين بالتعاون مع الحلفاء ابان الحرب العالمية الاولى عام 1916 ضمن شروط وطنية اهمها شرط الاستقلال واقامة الدولة العربية الواحدة والاعتراف به ملكاً عربياً.
– يحسب للشريف حسين واولاده الامراء القدرة على تشكيل وقيادة الجيش العربي من ضباط وجنود وعرب من مختلف الدول العربية في الدولة العثمانية، بدءا بقيادة الامير عبدالله الاول وتحريره الطائف من العثمانيين، وقيادة الامير فيصل 70الف جندي ساهم في دحر القوات العثمانية على طول مسار العواصم والمدن العربية وتحريرها في مكة والعقبة وبيروت ودمشق وحلب وحماة وصيدا وتبعها قيام الدولة والحكومة العربية في سوريا بقيادة الامير فيصل بن الحسين اكتوبر عام 1918 وانسحاب الجيوش العثمانية من العالم العربي وكان هذا الجيش هو نواة الجيش العربي المصطفوي.
– يحسب للشريف حسين وجيشه العربي مصحوبا بدعم شعبي عربي عارم انهم ساهموا مع الحلفاء في الانتصار على نظام الدولة العثمانية الضعيف الذي استمر قرابة 400عام دخل العالم العربي بعدها في اعادة ترتيب جديدة، بعد ان باشر الامير فيصل عام 1918 في تشكيل حكومة عسكرية برئاسة الفريق علي رضا الركابي من رجالات حزب الاستقلال، شملت صلاحياتها كل الاجزاء السورية الساحلية والداخلية من خط اسكندرون شمالا ًحتى تبوك جنوباً ومن المتوسط حتى حدود العراق، جرى ذلك قبل انعقاد مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 والذي وافق على انشاء صكوك الانتداب البريطاني والفرنسي على مخلفات الدولة العثمانية من الدول العربية بحجة اعادة التأهيل للشعوب المحتلة سابقا من تركيا، في حركة واضحة وتأكيدا لاتفاق سايس بيكو في تحقيق وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
– ويحسب للشريف حسين والامير فيصل انهما اوجدا حشدا شعبيا هائلا في سوريا ضد قرارات مؤتمر الصلح وبعثاته الاستقصائية كنج-كراين، بحجة تقرير المصير للعرب، والقيام بالدعوة لانعقاد المؤتمر السوري الشامل الاول واعلان المؤتمر استقلال سوريا الكبرى وتنصيب الامير فيصل ملكا عربيا على سوريا عام 1920، واستمرار العرب في فضح خيانة الحلفاء للعرب بعد انكشاف قرارات سايكس بيكو عالميا، والتصدي وقيادة العرب في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسوريا بعد انذار غورو عام 1920، والتصدي مع احرار فلسطين والاردن لمحاولات واجراءات الانتداب البريطاني في تسهيل تنفيذ وعد بلفور في فلسطين والاردن، الامر الذي دفع بالشريف حسين الرافض لخيانة الحلفاء للعرب تقديم حياته ثمنا لذلك وتم نفيه من بلده مقابل مواقفة الوطنية.

والسؤال الان،كيف جاءت الثورة العربية الكبرى، ثورة العرب، في سياق تزايد الظلم والبطش العثماني وتزايد سياسة التتريك ضد الشعوب العربية المحكومة، وبروز حركة الوعي واليقظة العربين وبداية ظهور الحركات القومية في اوروبا مع بداية الحرب العالمية الاولى؟.

حال العرب ابان الدولة العثمانية
– ظل العرب في كل أقطارهم يعيشون في ظل الخلافة كمواطنين مسلمين لهم ما للأتراك وعليهم ما عليهم حتى اواخر القرن التاسع عشر، عندما بدأت شعوب الخلافة تتأثر بأنباء الحركات القومية من حولها وتتابع باهتمام تطور نضال الشعوب من اجل حريتها واستقلالها القومي.
– في اوائل القرن العشرين بدأ العرب الذين ارتضوا الحكم التركي تحت تأثير الرابطة الدينية واحترام الخلافة ويستشعرون الخطر الداهم على كيانهم ويلمسون المؤامرة على قوميتهم من نزعة التتريك المتطرفة التي بعثها وغذاها في دولة الخلافة رجال تركيا الجدد، جمعية الاتحاد والترقي الاتراك الذين حاولوا طمس الكيان العربي كأمة وافناء مقومات اللغة العربية.
– كانت روح التحرير والاستقلال القومي والافكار القومية التي حملها مثقفوهم من البلاد الاوروبية تصل لعقول الشباب العربي وتوقظ ضمائرهم ونشطت الطلائع العربية الواعية في تقوية هذا الشعور وتعميقه وتوجيهه وتحاول بالسر والعلن تحقيق الحرية لامتهم العربية والاستقلال لوطنهم الكبير وبدأوا ينظرون للأتراك في بلادهم نظرتهم للغاصبين والمستعمرين.
– تكونت في هذه المرحلة عدة جمعيات واحزاب عربية سرية وعلنية، دعا بعضها للتعاون على اساس اللامركزية بين العرب والاتراك في ظل دولة الخلافة وطالبوا بتحسين اوضاع العرب السياسية وبتمثيل عادل لهم في الوزارة والمجالس التمثيلية بينما عملت بعض الاحزاب الاخرى على المطالبة بتحرير العرب من كل حكم اجنبي واقامة الدولة العربية المستقلة.
– صدور الدستور العثماني بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني عام 1908حيث جاء خيبة امل لدعاة التعاون واللامركزية من العرب وزاد من اندفاع العرب نحو حمل لواء التحرر وقيام الدولة العربية المستقلة وبرزت جمعيتا : العهد والعربية الفتاة كطليعة عربية تنادي بالانسلاخ عن الجسم العثماني وتأسيس دولة عربية مستقلة يرأسها سلطان عربي وحكومة دستورية حرة.
– كانت الدول الاستعمارية الكبرى آنذاك تطمع في الاستيلاء على املاك الرجل المريض تركيا وتتنافس فيما بينها على منطقة الشرق العربي محور العالم القديم ومركزه، فاتصلتا ببعض تلك الجمعيات العربية واغروها بالتأييد المبطن وبالوعود والآمال البراقة اذا تعاون العرب معهم.

مسار الثورة العربية الكبرى
شروط العرب
لكن ظروف الحرب العالمية الاولى القاسية وحراجة الموقف الحربي في الجبهة الشرقية لم تلبث ان جعلت الحلفاء يوقنوا وبريطانيا على الاخص بأن النصر الحاسم على تركيا يكاد يكون مستحيلاً ما لم تشترك الشعوب المحكومة لتركيا في تلك الحرب الى جانبهم وخصوصاً الشعب العربي المسلم والذي يسكن منطقة واسعة من الامبراطورية من مصر، الى البصرة ومن الاناضول الى عدن.
– اتصلت بريطانيا بالعرب وتنظيماتهم السياسية الصاعدة مستفسرة عن شروط انضمامهم القومي مقابل ثورة عربية عامة ضد الامبراطورية العثمانية المسلمة.
– فوضت الجمعيات والتنظيمات السياسية العربية كلها بعد ان التقت الامير فيصل ووثقت به، فوضت شريف مكة الشريف الحسين بن علي ليتولى المفاوضة والاتفاق عليها مع بريطانيا فأرسل الشريف حسين في 14/7/1915 الى السير مكمهون مندوب بريطانيا السامي بمصر وممثلها في المفوضات العربية البريطانية اول مذكرة عربية شاملة تضمنت مطالب العرب القومية وشروطهم للتحالف مع بريطانيا في الحرب وهي :
1. ان تعترف بريطانيا باستقلال العرب في جغرافية الدولة العربية العثمانية الهلال الخصيب.
2. ان توافق انكلترا على اعلان خليفة عربي من المسلمين.
3. تعترف حكومة الشريف العربية بأفضلية انكلترا في كل مشروع اقتصادي في البلاد العربية اذا كانت شروط تلك المشاريع متساوية.
4 اعلن الشريف حسين الحرب على الاتراك، نتيجة موافقة بريطانيا على شروط الشريف الحسين بن علي 10/6/1916 والانضمام الى جانب الحلفاء واستجاب كل العرب لذلك.
– الغريب انه في حين اندفع العرب بحماسة في الحرب ضد تركيا، كان الحلفاء يخططون ويتآمرون في الخفاء لاستعمار الشرق العربي وتقسيمه واستعماره.
– كان لبريطانيا التي دخلت الحرب تحت شعار الدفاع عن حرية الشعوب وحق تقرير المصير اربع سياسات متناقضة متباينة في بلاد العرب ومن خلال اتفاقات سرية وفي وقت واحد تقريباً وهي:
1.    اتفاقية بريطانية فرنسية روسية لتقسيم الدولة العثمانية بما فيها العالم العربي(بطرس بورغ سايكس بيكو) عام 1916.
2.    الاتفاقية الانكليزية الهاشمية وهو اتفاق حسين مكمهون واستهدف تحرير المشرق العربي والاعتراف بالاستقلال.
3.    المعاهدة البريطانية – السعودية حول مستقبل شبه الجزيرة في 26/12/1915 في جزيرة دارين وهي تعترف بسيادة ابن سعود على نجد والاحساء والقطيف وشواطئ الخليج على ان يعين الامير وريثاً له ترضى بريطانيا به وتتعهد بريطانيا بمساعدة ابن سعود وحمايته وان لا يلتزم بأي عمل عدواني ضد الكويت والبحرين وعمان وتقدم بريطانيا لابن سعود دعماً مادياً.
4. اتفاقيه بريطانية صهيونية حول وعد بلفور.- كل ذلك جرى دون ان يعلم الشريف الحسين بن علي اي شيء عن ذلك، كما ان ابن سعود كان يجهل ماذا تم مع الشريف حسين بن علي وكانوا يجهلون ان بريطانيا كانت تفاوض ممثلي الصهيونية العالمية على جزء من فلسطين والذي تمخض عن وعد بلفور 2/11/1917
ما بعد انتصار الحلفاء على الدولة العثمانية
-فشل العرب في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 في الحصول على نتائج الوعود بالاستقلال من الحلفاء وتكوين الدولة العربية الموعودة بقيادة الملك شريف مكة، ونجح الحلفاء في عصبة الامم، في اصدار قرارات الانتداب على الدول العربية وتثبيت وعد بلفور بحق الدولة اليهودية في فلسطين.
– غدر الحلفاء الفرنسيون في 7/10/1918 بأنزال قوة بحرية فرنسية في بيروت المحررة من العثمانيين واحتلتها وكذلك حصل في اللاذقية واسكندرونه،
وفي الطرف الاخر كانت بريطانيا قد اتمت احتلال بقية ساحل سوريا الجنوبي (فلسطين) من الناقورة الى غزة وحوصرت الجيوش العربية في الداخل السوري واصدرت قيادة اللنبي القائد العام للحلفاء تأكيداً لاتفاقية سايكس بيكو، تقسيم وادارة البلاد السورية.
–    والقصة في انهاء العهد الفيصلي في دمشق بعد انذار وشروط غورو، معروفة في نتائج معركة ميسلون وانهاء الحكومة العربية الفيصلية عام1920 وتطبيق الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان والانتداب الانكليزي على الاردن وفلسطين والعراق وتبعها تفاني الانكليز في تأمين هجرة اليهود الى فلسطين واقامة الكيان الصهيوني بعد حرب 1948.

الدروس المستفادة والعبر والتحديات القادمة
لا يمكن فصل بدايات الثورة العربية الكبرى وانجازاتها النهضوية في تحقيق تحرر العرب من النير العثماني الطويل والاستقلال للدول العربية،وبداية بناء الدولة القطرية والنظام العربي، لا يمكن فصلها عن التحديات الواسعة التي تبعت ذلك، وخصوصا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتداعياتها المستمرة على مستقبل العرب والعمل العربي بعد انشاء دولة اسرائيل، وسقوط النظام العربي وفشل الدولة القطرية في تحقيق الامن والتنمية والوحدة الوطنية.
1-    لقد نجحت الثورة العربية نتيجة التعاون العربي العربي بقيادة الهاشميين ودور بارز للملك الشريف حسين بن علي شريف مكة والامير فيصل وعائلته بالتعاون مع احرار العرب في مصر وبلاد الشام ممثلي الجمعيات السياسية طليعة حركة الوعي العربي.
2-    فشل النظام العربي الاول والمشكل عام 1945 باسم الجامعة العربية في التصدي لمؤامرة وعد بلفور بإقامة الدولة اليهودية بقرار الامم المتحدة قرار التقسيم رقم 181وفشل في الحرب العربية الاسرائيلية التي تلته مباشرة.
3-    لقد اثبتت الشعوب العربية وخصوصا الشعب الفلسطيني خلال مقاومة المشروع الصهيوني، اثبتت انها حية وقادرة على التضحية بالأرواح والتعاون مع كل القوى التحررية في العالم بما فيها القوى الوطنية العثمانية التي عانت وتأذت من التسلط والاضطهاد العثماني.
4-لقد اثبتت التحولات في السياق التاريخي ان قضايا الحريات وحقوق الانسان في العالم متشابكة ومترابطة بغض النظر عن اللون والجنس والدين والعرق وقد كان للثورة الفرنسية اكبر الاثر في حضور كم هائل من القيم السياسية والانسانية والاجتماعية وخصوصا فيما يتعلق بالحريات العامة والاستقلال.
5-    خيانة الحلفاء الاصدقاء لتعهداتهم للثورة العربية الكبرى وتعاملوا حسب مصالحهم الشخصية وضمن سياسة الهيمنة التي يفرضها النظام الامبريالي الدولي وتوازن القوى فجاء وعد بلفور وسايكس بيكو ومؤتمر الصلح ومعاهدة سيفر عام 1920 والحرب الثانية والحرب الباردة واحتلال العراق وغيرها من الاحداث.
6-    افرزت اتفاقيات سايكس بيكو مجموعة واسعة من الدول القطرية التي استقلت تباعا :الاردن وسوريا ولبنان عام 1946 سبقة استقلال السعودية والعراق عام 1932، وحصلت اسرائيل على الاستقلال 1948 بعد الحرب العربية الاسرائيلية الاولى وتبعات الهدنة، وتبعته باقي الدول العربية بإعلان الاستقلال خلال الخمسينيات والستينيات، وتم تأسيس الجامعة العربية كاطار للنظام العربي عام 1945.

مشروع الثورة العربية النهضوي والتحديات الحالية.
الانجازات
من اهم الانجازات لمسيرة الثورة العربية الكبرى هو استقلال المملكة الاردنية الهاشمية عام 1946 كدولة نموذج للثورة العربية تحمل مبادئ المشروع النهضوي العربي بالحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية والمواطنة الدستورية وسيادة القانون واحترام التعددية الثقافية والسياسية والدينية والحداثة والتعايش والوسطية وتمكين المرأة وحقوق الانسان وهي دولة مدنية تحظى باحترام العالم كله، فتحت ابوابها لكل العرب المحتاجين للأمن والاستقرار رغم قلة الامكانات المادية تقوم على محاربة الارهاب الدولي وتأهيل الخطاب الديني الوسطي من خلال رسالة عمان واسبوع الوئام العالمي للأديان، وتسعى الى ترسيخ النهج الديموقراطي لاقامة الدولة المدنية الكاملة ومؤسساتها الدستورية.
التحديات الاقليمية والعربية والمحلية :
1.سقوط النظام العربي في تحقيق المشروع النهضوي للثورة العربية بالاستقلال والتنمية والتجديد الثقافي والديني وخلق مجتمعات متماسكة، ولم تستطع تحقيق الاكتفاء الغذائي والمائي والطاقة للكثير من العرب رغم ثورة النفط الهائلة، كما سقط النظام العربي في ايجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية التي ستبقى مركز التوتر والحروب في المنطقة.
2.فشلت الدولة القطرية في تحقيق الامن والتنمية والاندماج الوطني للسكان في مفهوم المواطنة الشرعية وخلق الهوية الوطنية الواحدة المشاركة في تقرير المصير مما ادى الى التطرف والارهاب والتهجير السكاني في القطر الواحد.
3.استمرار الصراعات الاقليمية نتيجة الحرب الدولية الاولى وتداعياتها على العرب وتتميز الصراعات الحالية بان المتحاربين الدوليين يخوضون حروبا بالوكالة من خلال العرب انفسهم، بعكس الحروب السابقة حيث احتلت الجيوش الغربية البلاد العربية، يأتي ذلك بداية بعد ظهور ارهاب القاعدة وتدمير ابراج التجارة الدولية في نيويورك عام 2001، تلاه احتلال العراق وتداعياته، وبعد ان سيطرت الحروب المذهبية على الدولة القطرية وتم تهجير السكان العرب بسبب المذهب الديني الاسلامي بالملايين في معظم الدول القطرية مما يشكل تهديدا لمفهوم الامة العربية الواحدة.
4.ظهور الارهاب والتطرف الديني الدولي كمؤسسة دولية تملك مقومات فكرية سلفية ومالية وحربية ومجندين دوليين عالميين اصبحوا يتصرفون كالدول واحتلوا مساحات واسعه من سوريا والعراق واسسوا دولة الخلافة داعش وهي حركة خوارج سلفية شوهت العقيدة الاسلامية واوجدت شرخا في مفهوم العقيدة الاسلامية وتاريخ السنة وشرعية احترام آل البيت.
5.لم يوظف العرب امكانات العولمة الهائلة في التقدم والانفتاح والعلم ونقل رسائلة الى العالم وثقافاتة واصبحت مخرجات العولمة تشكل عبئا ثقافيا على ثقافتنا الاسلامية العربية وعلى المجتمعات البشرية.
6.التحدي الكبير هو في اعادة بناء النظام العربي من جديد بعد ان تغيرت معادلة التوازن الدولي والنظام الدولي الجديد ودخلت ايران ومشروعها النووي الى الاقليم بحماية اميركية لدورها القادم، وبعد ان تراجعت وتخلت اميركا عن استراتيجياتها الدفاعية السابقة في الاقليم بعد ان اصبحت مصدرة للطاقة.
7.اهمية بناء النظام العربي من جديد على اسس جديدة بعيدة عن سياسة الاقصاء والمحاصصة الدينية المذهبية، تقوم على بناء الدولة المدنية التعددية الحديثة وتعظيم قيم المواطنة والحداثة وحقوق الانسان والمشاركة الشعبية في ظل سيادة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية للمكونات السكانية.
8. ويطل الاردن كدولة حاضنة شرعية للثورة العربية الكبرى فاتحا أراضيه لكل العرب في اي وقت عصيب كما اثبت دائما وخلال كل الحروب العربية الاسرائيلية وحروب الخليج السابق والحالية رغم إمكاناته المتواضعة وصعوبة وضعه الاقتصادي فهو صاحب مشروع النهضة العربية وهو قائدها.
9. يطل الاردن بدوره المرن في امكانية المبادرة الى الدعوة الى لم الشمل العربي، والبحث عن نواة عربية مع السعودية ومصر العربية والمغرب العربي الى حين تتعافى باقي الدول العربية التي اهلكها الاقتتال الداخلي.
10.    بروز ظاهرة الهجرات القسرية الجماعية للسكان العرب بالملايين في معظم الدول العربية مما يشكل تحديا للهوية والكرامة العربية ومفهوم الامن المجتمعي العربي.
* ورقة عمل قدمت في المعهد الدبلوماسي
نهاية الاسبوع الماضي.

صالح ارشيدات