مـا بـعــد «داعــش»

مـا بـعــد «داعــش»

د. صالح ارشيدات

يتساءل العالم اليوم، بعد أن تم تصعيد الحرب دوليا على «داعش»، وتحقيق انجازات عسكرية سريعة ومتراكمة تشير الى بدء نهاية هذا التنظيم الارهابي الغامض في سوريا والعراق.
والتساؤل هو :هل بزوال تنظيم داعش يزول الارهاب والاقتتال في الاقليم وتستقر دول وشعوب المنطقة من جديد ؟
وهل بانعقاد مؤتمر جنيف 3 برعاية روسيا وامريكا والامم المتحدة ستكون بداية الحل للموضوع السوري، مفتاح مشاكل الاقليم؟
أم أن هناك فصولاً لم تنته بعد،بعد أن اطلقت شرارة ما يسمى بالحرب المذهبية الاسلامية واستقطاباتها الواسعة، وبدء تشكل احلاف عسكرية عالمية باسم الاطراف المتصارعة!
وبعد أن اصبحت دولة ايران لاعباً اقليمياً معترفا به، بعد توقيع الاتفاق النووي معها.
وبعد أن انخرطت دولة روسيا حليف ايران، في مستنقع الحرب السورية الاهلية الملامس لحدود حلف الناتو القوي تركيا.
لقد كتبت في جريدة الرأي الغراء بتاريخ 4/2015 مقالاً تحليلياً حول «الملف النووي الايراني وتداعياته على الاقليم» اجتهدت وقلت فيه :
1. أن هناك اعادة تشكيل جديد للنظام الدولي، ستلعب ايران فيه دورا اقليميا، وسيتبعه اعادة ترسيم جيوسياسية لبعض الدول في المنطقة العربية.
2. أن النظام العربي الحالي اصبح عاجزا عن لعب اي دور عربي، وهو على وشك الانهيار، بعد أن فشل نموذج الدولة القطرية السيادية في التنمية والامن وفي بناء مشروع وطني لا يقصي المكونات السكانية والاقليات عن المشاركة السياسية، ويحقق العدالة الاجتماعية والمواطنة الدستورية.
3. اقترحت أن يبادر الاردن والسعودية والجزائر ومصر، الى مبادرة اعادة احياء النظام العربي من جديد وبسرعة، لتفادي الانزلاق الى هاوية الحرب المذهبية في الاقليم، الاردن لمرونتها السياسية والسعودية لدورها الاسلامي القيادي ومصر لدورها التاريخي والجزائر لثقلها الانساني والعربي.
4. وحذرت من نتائج عملية النزوح العربي والهجرة العربية بالملايين عبر الحدود بحجة الهروب من الحروب الداخلية، وقلت ان ذلك سيفرض واقعاً جيو سياسياً جديداً على الدول وعلى السكان انفسهم، جرب في الاردن ولبنان وتعرف نتائجه على التنمية الانسانية والاجيال والسياسة المحلية، وقد تستفيد اسرائيل من فوضى ذلك الحدث ( الظاهرة ) وقد تغامر بتنفيذ برنامجها الاستيطاني لخلق حلمهم الدولة القومية لليهود» وتهجير عرب 1948 الى دول العالم !
اتابع اليوم مراقبة الاوضاع في الاقليم ونصور مستقبل الاقليم ما بعد افول تنظيم داعش الافتراضي، باعتبار ان هناك اجماعا على اولوية الحرب على تنظيم داعش في دولة الخلافة الإسلامية، وهي اليوم تحرز تقدما واضحا في ذلك، كما ان هناك مؤتمرا دوليا برعاية روسيا واميركا ينعقد في جنيف3 بحضور فرق المعارضة السورية والنظام السوري، هدفه الاول الوصول الى وقف اطلاق النار والاقتتال وفك الحصار عن المدن السورية وايصال المعونات الإنسانية للمحاصرين،والتي يمكن ان تكون بداية الحل في سوريا للانتقال الى مرحلة جديدة من الاستقرار.
المقلق ان العرب لا يدركون التغير الحاصل على النظام الدولي الذي يتشكل تدريجيا، بغض النظر عن سباق الهيمنة الإسلامية المتصاعدة بين ايران والسعودية في الشرق الاوسط،وقد يكون من المفيد ان يتم التقارب واللقاء بين انصار الفريقين وتقريب وجهات النظر، لا ان يصار الى تصعيد الموقف الخلافي بينهما، والعرب يفتقدون الى الالية المناسبة لذلك، ولكنهم قد يفعلون ذلك اذا فرضته اميركا على الجميع مثلا.
والمقلق في سياق مواز هو انتقال تنظيم داعش الى المشاركة في احداث ليبيا بعد جمود سياسي بين الاطراف المتصارعة هناك، ويتبعه التهديد الاميركي بالتدخل عسكريا في ليبيا مع دول الحلفاء لحسم الصراعات، التي قد تنتقل الى شمال افريقيا.
كما يقلق اكثر استمرار الاقتتال في اليمن واستنزاف السعودية والتحالف المفرط عسكريا وماديا رغم مساعي المصالحة الدولية.ولعل اتفاق ايران النووي مع الغرب قد يخولها لاحقا واذا طلب منها رسميا، رغم مخاوف الصبغة المذهبية، المساهمة بالحرب البرية في العراق بسبب تواجدها هناك وبسبب معرفتها بالجغرافيا السياسية، في الوقت الذي ترتفع فيه اصوات تطالب بالحماية الدولية لبعض الاطراف، التي تنظر بخوف لتهديدات تدمير سد الموصل قبل معركة تحرير الموصل من داعش في الربيع المقبل.

كشف حساب
• قد يكون ما سمي بالربيع العربي قد جاء كردة فعل على نتيجة فشل معظم الانظمة العربية في تحقيق النمو والتنمية والامن والعدالة الاجتماعية وعلى اقصائها للمكونات السياسية والثقافية وتسلطها على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية، ورفضها اجراء اصلاحات جذرية على نظامها السياسي والاجتماعي.
• وقد يكون صحيحاً أن ظهور تنظيم داعش ( السني ) جاء كردة فعل على عملية الاقصاء للسكان السنة في العراق مارسها المكون الشيعي بعد احتلال اميركا للعراق عام 2003 وفكفكة جيشه وادارته السياسية، وتواجد النفوذ الايراني في العراق.
• ولكن، ونحن نتساءل، هل تكفي هذه الاسباب، وهي مهمة بالتأكيد، الى استمرار الاقتتال الداخلي وتدمير دول المنطقة العربية بأيدي أبنائها وتهجير الملايين من ابنائها هنا وهناك الى ما لا نهاية !؟
أم أن هناك أهدافاَ أخرى، سياسية واستراتيجية، تستهدف تشتيت هذه الامة لصالح جهات ما أو أفكار ما ؟
ويعزز الشكوك حول ما يمكن ان يضمر للمنطقة، هو سر سرعة صعود تنظيم داعش الارهابي بهذه السرعة والسكوت الغربي آنذاك عنه وغموض تفوقه العسكري واللوجستي على اقوى الجيوش العربية وقدرته على تهديد وضرب دول أوروبية والانتقال بسهولة مفرطة الى ليبيا وبعض الدول العربية القريبة.
ثم ما هي صحة الشائعات الكثيرة عن مشاريع ودراسات ومبادرات غربية لتقسيم بعض الدول العربية مذهبيا وطائفيا، والتي تجري بعض احداثها في العراق واليمن وسوريا، لهدف ابقاء دولة اسرائيل متفوقة، ولهدف خلق دولة كردية جديدة؟. قد عجزت الحرب العالمية الاولى عن خلقها.
• فمؤسسات الدول الغربية نادت دائما ومراراً وبصراحة الى اصلاح الانظمة العربية وتحديثها وخلق مجتمعات مسالمة في دول الجوار الاوروبي، باعتبار شعوب المتوسط العربية شركاء لاوروبا ودولها. وقد تم بالفعل خلق شراكات تنموية وثقافية عربية أوروبية يشهد لها بالبنيان وهي لصالح العرب.
• مجموعة G8 للدول الثمانية الصناعية الكبرى، في اجتماعها السنوي في سي آيلاند اميركا 2004 قدمت مشروعا وبرنامجا مالياً عظيما للإصلاح الشامل في الاقليم الشرق اوسطي لمدة عشر سنوات تم تنفيذ معظم بنوده، اسمته الشرق الاوسط الكبير وضمت اليه تركيا وايران واسرائيل وافغانستان، ونشرته الصحف العربية والمحلية وهدفه :
– الحفاظ على مصالح الغرب وحلفائهم من خلال تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح واعادة تشكيل منطقة الشرق الاوسط تنمويا عبر الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي وتمكين المرأة، من دون حل للصراع العربي الاسرائيلي، والمشروع يرمي الى تغيير سياسي تنموي على المدى البعيد.
ونحن نتساءل :
اذا كان هدف اعادة التشكيل التنموي لدول في الشرق الاوسط، هو من اجل تعزيز الديمقراطية والحكم الصالح في العالم العربي وهو الذي يفتقده العرب وسبب سقوط الدولة القطرية، فهو حكماً في صالح الشعوب العربية التي تنادي بذلك منذ الاستقلال، واذا كان غير ذلك، فلا خوف على العرب، فإن معظم الانظمة العربية وخصوصاً البترولية صديقة للغرب وللولايات المتحدة الامريكية ومعظمها في حالة هدوء سياسي مع دولة اسرائيل وهناك مشاريع سلام مع اسرائيل مطروحة رسميا باسم كل العرب دون استثناء !، والغريب ان اسرائيل ترفض الصلح العربي بحجج غير واقعية وهي لا تملك مشروعا للسلام مع العرب.
– واذا كانت ايران عدوة الشيطان الاكبر والغرب الاولى قد وقعت اتفاقاً تاريخياً مع (5+1) سيلزمها سياسياً بالانضمام لمجموعة الدول (الكبرى) المرتبطة حكماً بسياسة الولايات المتحدة في النظام الدولي الجديد وبموافقة دول روسيا والصين حلفاء ايران، لماذا الاصرار على اولوية قلع نظام الاسد، وهو جزء من حلقة ايران ( المثلث الشيعي ) وربط ذلك بالقضاء على تنظيم داعش الارهابي !؟
لماذا لا يتم التوافق عربيا مع محور ايران وروسيا حول سوريا، كما فعلت الولايات الاميركية، اذا كان الملف في حوزتها ! من يمثل ويملك قرار العرب في هذا الموضوع!؟، فالعرب غير متوافقين على أي شيء.
لماذا تم انخراط دولة روسيا بالحرب في المستنقع السوري بوجود نفوذ ايران العسكري والسياسي في دمشق، مع تصعيد العداء مع تركيا دولة حلف الناتو القوية، بدلاً من الاستفادة من علاقات حلف روسيا وايران مع نظام الاسد لانهاء الملف السوري سياسياً، وبدلا من خلق اجواء مواجهة عسكرية دولية تهدد بحروب كبرى على ارض الشرق الاوسط ؟
– ولماذا يتم توجيه البورصات العالمية لتنزيل قيمة النفط الى درجة كافية لهز اقتصاد العالم المهزوز اصلا منذ 2008 وخصوصاً هز اقتصاد الدول العربية المعتمدة على النفط، وروسيا وايران، والمستفيد هو الدول الصناعية الغربية والخاسر هم العرب ومشاريع التنمية العربية.

حرب بالوكالة أم حروب مباشرة
كلها مؤشرات واحداث لم تقرأ وتفهم جيدا، فنحن نفتقر الى مراكز الدراسات الاهلية كما في دول وجامعات العالم لاستشراف التغيرات في الاقليم، فالعالم القديم قد تغير من حولنا، ولكننا لم نغير عقلية التعامل مع العالم الجديد من واقع المشاورة والتحليل والشفافية والصدق، هناك تحالفات جديدة لها اولوياتها في الاقليم.
هناك انقلاب استراتيجي في الموقف الاميركي تجاه الشرق الاوسط وانحياز كامل للموقف الروسي الايراني في موضوع الحل في سوريا، فأدوات الصراع المختلفة على الساحة السورية تتغير ملكيتها وموجهاتها حاليا، فالعرب صدموا مؤخرا بصفقه طهران واشنطن الجديدة وعليهم اليوم ان يتحملوا نتائج انخفاظ اسعار النفط المرعبة، ويتحملوا ما يوجه لهم الحلفاء والاصدقاء التاريخيين من تهمة دعم السلفية الجهادية الاصولية في عقر دارها، وحيث تتفكفك علاقاتهم العربية ببعض وخصوصا العلاقات الخليجية.

أين العقل العربي الجامع
صاحب البصيرة من كل ما يجري؟
هل انفصل العرب عن حلفائهم في دوائر التوازن والقرار العالمي ؟ وهل تتكرر مرحلة ونتائج مؤتمر فرساي عام 1920 حين خذلهم الحلفاء الاصدقاء وزرعوا وعد بلفور واشياء اخرى؟
إن الاقليم العربي والشرق اوسطي لن يستقر كما تنبأ الغرب الرسمي المتكرر، وستنتقل لعنة الصراع والاقتتال الى مناطق عربية اخرى، مثل ليبيا حيث يتواجد 3000 عنصر من تنظيم داعش الارهابي بحجم كبير لا احد يعرف لماذا هم الان في ليبيا تحديدا، والتي يجري الحديث حول اعادة توزيعها جغرافيا وليس مذهبيا، كما كانت تاريخيا، وما صحة التصريحات الاميركية بالتهديد بالتدخل هناك بعد خمس سنوات من ما سمي بالربيع العربي، وهل اصبح اسم هذا التنظيم سيفا مسلطا للتدخل على الدول العربية، متى اريد له ذلك ؟. وهل تبقى الجزائر بعيدة عما انتجه ما سمي بالربيع العربي؟.
ويمكن القول ان الاحداث الاخيرة في اطار الحروب بالوكالة بين المذهبين السني والشيعي قد تتطور للاسوا، فقوات الحشد الشعبي في العراق اصبحت في نظر الاخوة العراقيين مشبوهة ومرفوضة بعد عملية تحرير تكريت والممارسات التي تبعت ذلك، وتنظيم داعش اليوم يهدد بتدمير سد الموصل العملاق قبل معركة تحرير الموصل.
وعملية ادارة سعودية داخلية، مثل تنفيذ حكم اعدام الشيخ السعودي الشيعي (الشيخ نمر النمر) واخرين قد تؤجج الصراع بين السعودية وايران وتدفعه الى المواجهة المباشرة، فقد حشدت السعودية في الداخل السعودي والعربي الى درجة ما وكذلك الخارج الاسلامي الواسع، ورغم محاولة ايران الاعتذار عن اعمال حرق السفارة السعودية في طهران، الا ان الحشد والتحشيد المتبادل السني والشيعي جاء في اكثر من صورة اعلامية بشعة بحق الرموز والمقدسات الاسلامية الخالدة في الوجدان العربي الاسلامي، وهذا ما يشكل الخطر الاوسع على المنطقة كلها اذا انزلقت لا سمح الله واذا لم يتم التدخل خارجياً لجذب الطرفين الى طاولة التفاوض، فإن الجهود المبذولة من اجل تحقيق الاستقرار في الاقليم وخصوصا جينيف 3 الهش الحالي، قد تتعرقل الى اسوا مما هي عليه الان الى حرب مواجهة بين الاطراف، الى حروب دينية قد تجر دولا معها لا سمح الله.
– فالحرب الدينية المشهورة في اوروبا دامت لأكثر من مائة عام، مارس خلالها انصار الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية في الدين المسيحي الواحد الحرب والاقتتال البشع ضد بعضهما، وانتهت عام 1648 بصلح وستفاليا/ المانيا بعد ان كبدت اوروبا وشعوبها ملايين الضحايا المدنيين والعسكريين ودمرت العشرات من المدن الاوروبية.
والشيء الاكيد لنتائجها هي انها انهت سيطرة اللاهوت على العقل في اوروبا وافقدت البابوية قوتها السياسية العظمى وتراجعت اهمية الدين في الحياة في اوروبا، وتم الاعتراف بالكنيسة الاصلاحية ولكنها لم تنه حالة الصراع السياسي والعسكري بين الدول الاوروبية وخصوصا فرنسا وروسيا وبريطانيا والمانيا للهيمنة على اوروبا وثرواتها والذي استمر لأكثر من مائة وخمسين عاماً.فالصراع والحروب اهدافها دائما سياسية وقد تلبس احيانا ثوب الدين او الارهاب.

قضايا الإقليم المعلقة
كيف هي اليوم موازين القوى المتصارعة في الاقليم بعد مرور 5 سنوات على ما سمي بالربيع العربي وبدء الاقتتال العربي العربي كما هو اليوم مستمرا في سوريا واليمن وليبيا، وبعد مرورسنتين على حرب التحالف الدولية الناعمة على الدولة الاسلامية داعش وتنظيمها المرعب للعرب وللعالم والذي لا زالت قوته مرعبة وغامضة للتفسير، وبعد مرور اشهر على بداية التوتر الطائفي الذي يسود دول الاقطاب الرئيسية السعودية وايران، والمرشح للتصعيد.
ونتساءل، هل حقق ما سمي بالربيع العربي اي تغيير ايجابي لصالح حل القضايا العالقة التي تشكل بؤرة للصراع في الاقليم واهمها سوريا وفلسطين واليمن وانتشار الفكر التكفيري السلفي واكتشافات الغاز العربي، ام ان الاوضاع زادت سوءا عما سبق؟.

1. الملف الفلسطيني الإسرائيلي:
وهو سيد الملفات واقواها وسبب الصراعات في الشرق الاوسط وسيبقى الى حين، حيث تراجع حل الدولتين الشهير واسرائيل لا تملك مشروعا للسلام مع العرب، وتستمر اسرائيل في بناء المستوطنات في الاراضي المحتلة والقدس تحديدا، هناك ستمائة وخمسون الف مستوطن في وسط الاراضي المحتلة، لا احد يعرف اين سيذهبون او يتبادلون بمن لاحقا، وازدياد العنف الداخلي في الاراضي المحتلة وازدياد عنصرية اسرائيل تجاه العرب المحتلين والعرب الاسرائيليين والحديث عن تهجير العرب 1948 الى خارج فلسطين وانشاء الدولة القومية اليهودية، فاسرائيل اليوم هي الرابح الوحيد من احداث الاقليم وحروبه العربية ومن ظاهرة التهجير الكبرى للعرب داخل العالم العربي وسقوط الدول السيادية الكبرى.
ولعل التهديد الايراني الافتراضي لدولة اسرائيل اصبح لاغيا وغيرفاعل بعد توقيع اتفاق الملف النووي الايراني مع 5+1 وقد تعود العلاقات الايرانية الاسرائيلية الى ما كانت عليه تاريخياً، وحينها سيحل موضوع تهديد حزب الله لاسرائيل المدعوم من ايران، وكذلك ستحل عقدة الملف السوري المهدد لاسرائيل تاريخياً.والسؤال هو متى سيزول الاحتلال الاسرائيلي عن الاراضي العربية وفي اية ظروف دولية ؟.

2. الملف السوري:
وهو اصعب الملفات على الاطلاق وذلك بسبب كثرة اطراف النزاع العسكري والسياسي والديني وتداخلها في ما بينها والتي لا يعرف احدا اليوم من يحارب مع من !وضد من! ولكن الحقيقة الثابتة هي ان الحرب المستعرة هناك منذ خمس سنوات ادت الى كوارث انسانية وجرائم حرب ضد الانسانية وادت الى تهجير ثلث سكان سوريا في ابشع صورة شهدها العالم الحديث، كما دمرت المدن العريقة تاريخيا وحوصرت المدن وسكانها من قبل المتحاربين والسبب هو تواجد قوى عالمية تتصارع فوق الاراضي السورية.
ان حلف سوريا ايران روسيا وبرعاية اميركية استطاع ان يجلب الاطراف اليوم بعد فشل الحل العسكري البشع في سوريا والذي ادى الى قتل 250 الف مواطن وهجر ثلث سكان سوريا،يجلب الاطراف المتصارعة الى طاولة المفاوضات في جنيف 3 بهدف التوصل الى وقف اطلاق النار وتطبيق قرارات الامم المتحدة.
وسيحدد مؤتمر جنيف مستقبل الاوضاع في سوريا فاذا نجح وطبق القرارات الدولية فان الاقليم سيسير الى الاستقرار المتدرج،واذا فشل لا سمح الله، فان الصراع سيستمر ولا احد يعرف النتائج المستقبلية، وقد يتمدد الصراع الى خارج سوريا لارتباط المتصارعين بمحاور عالمية واقليمية متعددة الثقافات والتطلعات على راسها المحور الاسرائيلي المقلق للعرب والمحور الايراني الصاعد والغامض!.

3. الملف السعودي اليمني:
وهو الاخطر على الساحة العربية والاسلامية بسبب الاستقطابات الدينية للاطراف المتصارعة، شعب ومواطني اليمن الواحد، بدعم ايراني للجانب الحوثي، الذي انقلب على الشرعية والدستور بالسلاح، ودعم سعودي وتحالف عربي لليمن الشرعي، والحل هو جلوس الحوثيين الى طاولة المفاوضات بدعم كل الاطراف العالمية والعربية بما فيها ايران، والوصول الى اتفاق لانهاء الدمار للوطن المشترك وللمشاركة في حكم البلد الواحد حسب الدستور والتوافق الشعبي، رغم الضحايا والدمار الهائل للبلد والذي هو بحاجة الى اعادة اعمار.

4-ملف الدولة الكردية:
لقد شكلت فكرة الدولة الكردية على الدوام عاملاً هاماً لدى النظام الدولي الذي فشل في تحقيق اقامة دولة كردية في الاراضي التركية عام 1920 حسب اتفاقية ( سيفر) ابان الحرب العالمية الاولى رغم التخطيط المسبق لها وهي تشكل اليوم منعطفا ونقطة حساسة لدولة تركيا الصاعدة اقليميا والتي يسعى رئيسها الى تغيير الدستور وتحويل الحكم الى رئاسي، وبسبب دعم الغرب لانشاء دولة كردية ضمن توافق تركي عربي لاستيعاب 30 مليون كردي في دولة أو اقليم الامر الذي ترفضه تركيا والدول العربية الحاضنة للاكراد العرب ولعل شمول تركيا وايران في ما سمي الشرق الاوسط الكبير الا دلالة على اهمية حل هذا الموضوع لاستقرار الاقليم الشرق اوسطي المتداخل.
ان دور تركيا متذبذب حول قضايا الاقليم فهي اليوم تطالب بالمشاركة بالحرب على داعش التي دعمت نشاطاتها اللوجستية سابقا، كما ان تحالفها السني مع السعودية سيؤثر على موقفها العدائي من دولة روسيا وسوريا حلفاء ايران وسيؤثر على موقفها من قضايا الشرق الاوسط رغم التزامها الاستراتيجي بحلف الناتو ورغم رغبتها الانضمام الى الاتحاد الاوروبي وهي تفتقر الى مصادر الطاقة.

5. ملف الطاقة في الإقليم:
ان جزءاً من الصراع الشرق الاوسطي الحالي مرتبط باكتشافات حقول الغاز الهائلة على ساحل سوريا ولبنان واسرائيل وفلسطين والحرب ضد دولة روسيا في احد جوانبه هو لمنعها من الاستفادة من امتياز استغلال هذه المصادر المطلة على المتوسط وهو منافس للغاز المكتشف في اسرائيل والذي يشكل تهديداً لتزويد اوروبا بالغاز الروسي من خلال مد انبوب الى قبرص واليونان بدلا من تركيا.
ان الولايات المتحدة اصبحت دولة مصدرة للطاقة بعد أن طورت تكنولوجيا التكسير الهيدرولوجي للنفط الصخري ولكنها تصر على لعب دور اساسي في التحكم بقرار النفط العالمي، وهذا يفسر ترددها في التدخل مباشرة في الموضوع الايراني والحرب على داعش..!

6. الفكر التكفيري والخطاب الديني:
لقد أوجد ظهور تنظيم داعش السلفي الارهابي والذي اعتمد على الفقه التكفيري ( فقه الخوارج ) أوجد تهديدا للعقيدة الاسلامية والفقه التقليدي للاسلام وشوه صورة الاسلام السمح وهدد ثقافته المتوارثة واوجد مناصرين له بين الشباب العربي والاسلامي وخصوصا في المنطقة التي احتلها وادارها تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق مما يستدعي ان تقوم كل الانظمة العربية باعادة دراسة الخطاب الديني وازالة الجمود والشوائب عنه ويتطلب ذلك مشروعا توعويا على مستوى الامة اعلاميا وتربية وتعليما ولدى مؤسسات الوعظ والارشاد الديني يتبعه عملية اصلاح حقيقي لكافة تداخل مكونات التربية والتعليم والتنمية السياسية والثقافة والاعلام والشباب.
ان تحصين الجبهة الداخلية من الفكر التكفيري اولوية لكل الدول العربية، رغم البدء بانهيار وهزيمة تنظيم داعش، وذلك لأن الدين الاسلامي جزء اساسي من ثقافة المجتمعات العربية المنفتحة على الحضارات والعلوم والحريات وحقوق الانسان.
ان تحويل الصراع السياسي الى صراع ديني في الاقليم قد يجر المنطقة كلها الى اصطفافات شيطانية قد تقود المنطقة الى فوضى وحروب ودمار لا يعرف احد نهايته وستخسر الامة العربية والاسلامية انجازاتها الحضارية والانسانية ويستفيد فقط اعداء الامة حيث في غياب اي تأثير للنظام العربي لن تستطيع الدول العربية ممارسة اي تأثير على هذا الصراع وستكون اي حادثة مدبرة سلفاً ضد رموز سنية أو شيعية في الاقليم شرارة لبدء حرب طائفية مدمرة وبدء الاصطفافات المذهبية بحجة الدفاع عن الاسلام.
ان مستقبل العرب كأمة، وكنظام سياسي، هو على المحك اليوم فبعض دول النظام العربي تشعر انها خارج دائرة الخطر الحقيقي المحيط بالمنطقة،ما هو مستقبل الاقليم اذا فشلت مباحثات جنيف 3 وانتقل الصراع ابعد مما يتصورون، وماذا يحدث اذا تورطت دول اقليمية قوية في الصراع بسبب الاصطفاف المذهبي،لذلك فهي يجب ان تبادر الى الالتقاء العربي والتشاور الاستراتيجي، بسبب الاصطفافات المسبقة عربيا ودوليا، وعليها ايضا ان تبادر الى تنفيذ برامج اصلاحية هدفها مشاركة شعبية اوسع في بلدانها فهي أي المشاركة الواسعة مايحقق الصمود.
أن قوى المجتمع المدني التي تشكل العمود الفقري للامة من قيادات وطنية وحزبية ونقابية وثقافية وعمالية وقوى منظمة للتنمية بأشكالها المختلفة في كل الاقطار العربية، تشعر بالاحباط، فلا دور حقيقي لها في المشاركة السياسية المصيرية وهي لذلك لا تبادر بايجابية، فقد تم تهميشها على مدى سنوات طويلة بشتى الاسباب.
لا بد من صحوة عربية ومبادرة سياسية قادرة على تشكيل نقطة لقاء عربي رسمي ومجتمع مدني تقوده القوى الوطنية لمؤتمر قمة بعيداً عن المعاتبات وتصفية الحسابات ونعتقد ان مصر والسعودية والجزائر والاردن قادرون على الدعوة التاريخية، لاحياء النظام العربي الجديد لحين شفاء وبقاء وحضور دول عربية لا زالت ترزح تحت تهديدات الحروب الاهلية والمذهبية.