متى تنتهي الحرب في سوريا؟

متى تنتهي الحرب في سوريا؟

د. صالح ارشيدات

السؤال الذي يطرح اليوم هو: ما سبب استمرار الصراع والحروب الدولية بالوكالة في سوريا تحديدا، وفي الاقليم العربي  عامة، رغم هزيمة التنظيمين الارهابيين داعش والنصرة؟
وهل تؤثر نتائج الصراع على مستقبل القضية الفلسطينية وعلى الاردن؟.
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من فهم ابعاد الاستراتيجية الدولية للصراع العالمي، وربطها بالمحاور الاساسية  لمكونات الصراع  على الارض!
يمكن القول، ان هناك صراعا تاريخيا دائما، متعدد الاطياف والاشكال، بين القوى العظمى للسيطرة على قيادة النظام العالمي الذي تقوده اميركا منذ  انتهاء الحرب الباردة، وإن هناك اليوم حربا عالمية ثالثة بالوكالة على ارض الاقليم العربي عمرها خمس سنوات، سببها الاساس وجود ثلاثة مشاريع اقليمية تتصارع للفوز بالإقليم الشرق الأوسطي. الاول: هو المشروع الصهيوني والثاني: هو المشروع الايراني، وثالثهما: هو المشروع التركي في غياب اي مشروع عربي.
محاور الصراع الدولي
يتمحور الصراع اليوم في الإقليم العربي على شكل محورين أساسين،:
الاول تقوده الولايات الاميركية وحلفاؤها، وهو يدعم المشروع الاسرائيلي التوسعي، والمحور الثاني، تقوده روسيا وحلفاؤها، وهو يقوي نفوذ المشروع الايراني، والتركي وكلاهما يؤكدان السعي للمساهمة في اعادة ترسيم حدود ومكونات النظام العالمي الجديد والذي يتم على حساب الدول العربية .
الولايات المتحدة تغير موقفها فجأة من الحرب في سوريا بتغير الادارات الحاكمة الجديدة( ترامب)، واعلنت مؤخرا موقفا استراتيجيا جديا تجاه التدخل لإدارة منطقة شرق الفرات السورية الواسعة الغنية بالنفط والماء للضغط على حلفاء روسيا لقبول شروطها السياسية في ملف دمشق ولوقف النفوذ الايراني في سوريا.
بينما وقفت ادارة الرئيس اوباما السابقة خلف مشروع الشرق الاوسط الجديد بعيد احتلال العراق مباشرة عام2004، والذي يزعم انه يهدف الى تشجيع الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في دول الشرق الاوسط وبمختلف الوسائل المتاحة، وذلك بدعم من صندوق الشراكة ما بين الدول الصناعية الـ 8 وبين ما سمي قادة الاصلاح في الشرق الاوسط، لأطلاق مشاريع الاصلاح ضمن الشعارات التالية،:
«تشجيع الديمقراطية، والحكم الصالح، وبناء مجتمع معرفي، وتوسيع الفرص الاقتصادية في الاقليم».
ويشمل الشرق الاوسط الجديد، بالإضافة الى العالم العربي، تركيا واسرائيل وباكستان وافغانستان، وقد ايدت ادارة اوباما توقيع الاتفاق النووي مع ايران عام 2015 بعد ان انسحبت قواتها العسكرية عام 2011 من العراق، ضمن منظور اميركي جديد لاحتواء ايران ، وهيأت دورا اقليميا غامضا لإيران لم يتحقق بعد.
*السؤال المطروح هو ما هي اسقاطات الصراعات الدولية على محاور المشهد العالمي التالية:.
1.عالميا: هناك نظام دولي جديد يتشكل بظهور قوى مثل: الاتحاد الاوروبي والصين وروسيا وايران وتركيا واسرائيل وتراجع الدور الاميركي عن الانفراد بقيادة النظام الدولي الجديد، حيث لديها قيم جديدة واولويات استراتيجية مختلفة  عبرت عنها ادارة اوباما الراحلة، بعد ان اصبحت اميركا دولة نفطية مكتفية ذاتيا ومصدرة للطاقة عام 2021.
والملاحظ هو بروز وصعود دور اقليمي ايراني وتركي واسرائيلي، لم تحسم الحروب الدائرة في الاقليم حاليا، بعد فوز احدهما نهائيا ، في غياب مشاركة وتأثير للنظام العربي وهو السبب الرئيس لاستمرار الحروب في سوريا،.
هذا يفسر عودة الدور الاميركي غير الواضح الرؤية لمستقبل الشرق الاوسط( تقسيم)، والذي عبرت عنه ادارة ترامب  الجديدة من خلال عدة قرارات مفاجئة مثل دعم قوات سوريا الديموقراطية لإقامة  اقليم في الحسكة والدفاع عسكريا وماليا واداريا عنها ، واجراءات سياسية مفاجئة مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ضمن مشروع صفقة العصر للفلسطينيين، وتهديد ايران بفك الاتفاق النووي واستمرار العقوبات الاقتصادية.
2.اقليميا :هناك ثلاث قوى اقليمية صاعدة وعميقة، لها مشاريع سياسية واستراتيجية، طامحة منخرطة بالأحداث والحروب تريد ان تتحكم بالإقليم، هي اسرائيل، ايران، وتركيا!.
*تركيا، وهي دولة صناعية ذات اقتصاد متقدم صاعدة في الاقليم تتبع حلف الناتو الغربي وتسعى للدخول كعضو الى الاتحاد الاوربي وتتبع المذهب السني وتسعى لقيادة الاسلام السني في العالم ويشكل الموقف التركي الجديد المنقلب على حلفاء اميركا والذي فاجأ كل القوى المنخرطة بالحرب في الاقليم واولها الولايات الاميركية، لأنه غير معادلات وموازين المعارك لصالح روسيا وحلفائها، كما انه باحتلاله لمدينة عفرين شمال سوريا وتمكينه قوات تركمانية في مدينة جرابلس الحدودية يحاول خلق كيان تابع له بحجة الدفاع عن حدوده، فتركيا تملك مقومات عسكرية وبشرية واقتصادية وموقع استراتيجي متميز لا يمكن تجاهل تأثيره على الحروب في الاقليم .
*ايران وهي دولة اقتصادية صاعدة في الاقليم وتملك ثروات نفطية هائلة  لديها مشروع سياسي ديني للتوسع في المناطق العربية الشيعية صعد بعد ثورة الخميني 79 وخصوصا في العراق ودول الخليج العربي واليمن ولبنان وهي تراقب التوسع التركي في المناطق السورية باهتمام وحذر شديد،.
بدا الدور الايراني بالصعود من جديد، بعد الاحتلال الاميركي للعراق والقضاء على نظام صدام حسين السني القوي عام 2003، حيث توفرت بعدها البيئة الحاضنة والادوات  للصراع المذهبي والعرقي الحالي، عززه انسحاب اميركا من العراق، واصبحت ايران لاعبا اقليميا بعد ان تم توقيع اتفاق الاطار النووي مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الاوربية.
*اسرائيل على الطرف الاخر من سوريا الجنوبية وهي دولة صناعية صاعدة في الاقليم تحظى بدعم غربي غير مسبوق في العالم وفي الامم المتحدة رغم احتلالها، فلسطين واراضي عربية اخرى، لديها المشروع الصهيوني التوسعي يهدف الى اقامة الدولة اليهودية في القدس واعادة بناء الهيكل فوق الاقصى وطرد السكان العرب من الاراضي المحتلة. واسرائيل لا تملك اية مشاريع للسلام مع العرب والفلسطينيين وستشرع قريبا لضم الضفة الغربية والمستوطنات الاسرائيلية في الاراضي العربية للسيادة الاسرائيلية.
3.اقليميا : هناك خطة مقصودة لتحويل نظر العالم استراتيجيا عن حالة الصراع العربي الاسرائيلي المزمن والذي تخسر فيه اسرائيل عالميا بسبب احتلالها اراض عربية، وممارساتها العنصرية هناك، الى حالة اذكاء الصراع المذهبي في الاقليم بين العرب ودول الاقليم، وهو يسهل تسويق مشاريع التقسيم للدول ، والذي يعبر عنه حالة التوتر والتصعيد الخطير بين العربية السعودية وايران !! وهو يخدم دولة اسرائيل بشكل غير مباشر ويساهم في زرع الفتنة بين العرب، ويساهم في رفع درجة الاصطفاف العربي العربي.
4.اقتصاديا: لقد تبين ان اكتشافات حقول الغاز الجديدة بكميات هائلة قد تلعب  دورا في تأطير الصراع الدولي على الاقليم الغني بالغاز! وخصوصا ان حقول اسرائيل للغاز تقع وسط مناطق النفوذ العربي على الغاز، ولديها نزاعات حدودية مع لبنان، كما ان حقول سوريا الكبيرة تتمتع بحماية روسية، بالإضافة الى حقول الغاز الهائلة المكتشفة في الخليج العربي لإيران ولقطر.
5.عربيا: تراجع سريع وعجز النظام العربي عن حماية الدول العربية وعن التأثير والتدخل في منع ما يجري من احداث وحروب في شمال سوريا واليمن وليبيا! ويواجه النظام العربي اليوم مشكلة اللاجئين العرب ،وهم بالملايين يجب اعادتهم لبلدانهم، وتأهيلهم، واعادة بناء ما هدمته الحروب وهو ما يساعد على تعميق الهوة لأي عمل عربي تنموي وامني مشترك، والمطلوب عربيا لمواجهة التحديات اعادة بناء نظام عربي قوي ودور اقوى للجامعة العربية.
6.قطريا : سقوط نموذج الدولة الوطنية القوية امنيا واقتصاديا بسبب تفكك الجبهة الداخلية للدولة الوطنية، و ظهور حرب الهويات الفرعية، وبسبب ممارسة بعض الانظمة التسلط والاقصاء والتفرد والتبذير ، والعجز عن حماية وتامين حقوق الانسان بالأمن والغذاء والتعليم والعمل والعدالة والتنمية والحرية ،وخصوصا لشريحة الشباب الذي يشكل 60% من السكان العرب والذين يشكلون اليوم الراي العام العربي، بعد ثورة المعلومات والتواصل الاجتماعي !
ولم تستطع الثروات النفطية الهائلة سد ثغرة البطالة العربية المتصاعدة .
7 . فكريا : بزوغ الارهاب كظاهرة عالمية، وهو عدو عالمي بدون هوية متنقل عبر الحدود والانظمة واصبح بديلا للعدو التاريخي( الشيوعية)، يصاحبه نمو التطرف بأنواعه، الذي يسود العالم والمجتمعات العربية وهي تتأذى منه داخليا ودوليا، لأنه يشوه صورة الاسلام السمح، الذي يشكل اطار ثقافة المجتمعات العربية، ويدعو للثورات والتكفير ضد الانظمة ويربطه بالإرهاب.
8 .التنظيمات الارهابية المسلحة داعش والنصرة شكلتا تحديا كبيرا للأمن  والأمان والسلم والاستقرار في الاقليم والعالم وجندت الشباب العربي والدولي وخلقت تشويشا ثقافيا وفكريا على المفاهيم السائدة، ولكنها هزمت في العراق وسوريا، وخلقت بعد هزيمتها مشكلة العائدين العرب من مجنديها الى اوطانهم والذين يصعب اعادة تأهيلهم في المجتمعات ويخشى من ارهابهم النائم على الانظمة .
9 . تصاعد سلطة وتأثير الاتصالات وثورة المعلومات على العالم: وهي نعمة ونقمة العولمة للعالم، وتشكل محطة مهمة في تسريع انضاج الاحداث والافكار وتشكل الراي العام ويقال انها وراء تسريع الربيع العربي وربيع ايران لتغيير الانظمة المستبدة.
10 فلسطينيا: غموض مشاريع السلام العربي الاسرائيلي الجديدة في سيناء المدعومة من اميركا وتداعياتها على الفلسطينيين وعلى جيران فلسطين الاردن ولبنان ومصر، وفشل حلم حل الدولتين والمشروع العربي للسلام !ومعاناه مستمرة للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال منذ 50 عاما! واستمرار حملات التهجير الممنهجة ضدهم في غياب توافق فلسطيني حقيقي حول مستقبل القضية.
11 . اسرائيليا : استمرار اندفاع المشروع الصهيوني التوسعي، المعادي للسلام مع العرب، واستمرار الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية المحتلة والقدس، وغطرسة تشريعية برلمانية صهيونية لشرعنه ضم المستوطنات والضفة الغربية الى السيادة الاسرائيلية، بعد اختطاف القدس بسبب انحياز اميركا المجحف لإسرائيل واشارات بقرب قيامها بحرب ضد سوريا ولبنان وحزب الله رغم التطور الايجابي لموقف دول اوروبا من القضية الفلسطينية! .
12 اردنيا : استمرار تباطؤ المشروع النهضوي الاصلاحي الاردني وظهور تحديات امنية واستراتيجية جديدة في الاقليم سببها  عدم فهم الاخرين الموقف الاردني من بعض المواضيع والموقف الاردني الرسمي والشعبي من الادارة الاميركية الجديدة بسبب الموقف من القدس والوصاية على المقدسات ومن الموقف الصارم تجاه خروقات اسرائيل الامنية، وتحديات اقتصادية ومالية بسبب الموقف السياسي الاردني وتحديات خدماتية متشابكة حادة بسبب  تراجع الدعم العربي السنوي للأردن للمشاريع الرأسمالية والدعم الاجنبي للاجئين السوريين والذي يوتر الساحة الداخلية ويزيد الاحتقان الشعبي بسبب الغلاء والعجز المالي للموازنة وازدياد المديونية الخارجية،  وتباطؤ عملية الاصلاح الشامل وخصوصا السياسية والتعليمية والخدماتية، والذي يعبر عنه باحتقان شعبي، يتطلب تدخلا رسميا وحلولا سريعة لفك الاحتقان المعيشي الشعبي  .
مع صمود الجبهة الداخلية وتماسكها وانتصارها  للهاشميين وللوصاية الهاشمية في القدس،
تحدي استمرار الحرب في الاقليم!
لم ولن تنتهي الحرب في الاقليم بعد، رغم هزيمة وخسارة التنظيمات الارهابية الكثيرة وخصوصا تنظيمي داعش والنصرة في العراق وسوريا المدعومتين من جهات دولية ،ولا زال  ما سمي المحور الشيعي بقيادة ايران المهدد لإسرائيل قويا( نظريا)، وهو المحور الذي كما يظهر مجددا قامت الحروب من اجل لجمه ودحره، ولا زالت مباحثات السلام متعثرة بسبب غموض الموقف الاميركي حول تواجده في منطقة شرق الفرات الشاسعة، واحتلال تركيا لمنطقة غرب الفرات لشمال سوريا.
فالموقف الاميركي الاستراتيجي المتأخر الجديد والمعلن رسميا، يخلط الاوراق ويمدد دائرة الحرب في سوريا،  فهو يريد تواجدا عسكريا في شمال سوريا بدعوى لجم اية عودة لتنظيم داعش الارهابي من جديد، ويريد ان يدعم الاكراد في اقامة كيان سياسي ما في منطقة الحسكة السورية الواسعة الغنية بالنفط والمجاورة للحدود العراقية، بحجة الاتفاق مسبقا مع روسيا على حدود التواجد لحلفاء اميركا شرق نهر الفرات، بالرغم من معارضة تركيا، وبدأ بتفعيل انشاء مكوناته الادارية والسياسية لإدارة الاقليم المقترح ، ويريد  كما يدعي من ذلك تحجيم دور ايران وروسيا في سوريا، ولكنه لا يترجم هذا الموقف الجديد الى استراتيجية نافذة وخطة حقيقية واجراءات عسكرية حقيقية ويربك حلفاءه الكثر بالتحرك غير الجاد في المنطقة.
اذا اريد لهذه الحرب ان تتوقف نهائيا فلا بد ان يتفق رؤساء وقادة المحورين الاساسيين للصراع الدولي روسيا واميركا الى تقييم الموقف على الارض من خلال مؤتمر ما، شبيه بمؤتمر يالطا عام 1945  لتقاسم الغنائم (وللأسف لا دور مؤثر يذكر للعرب) والا ستبقى الساحة عرضة للدمار ولحبك المؤامرات ضد اطراف المعادلة الى ما لا نهاية، فالولايات المتحدة لا تملك جيوشا على ارض الاقليم، ولكنها تدعم المشروع الاسرائيلي ولديها حلفاء في المنطقة، وهي تريد الضغط على روسيا وخلط الاوراق لتأمين حصتها من الحل السياسي النهائي في دمشق وفي  الاقليم.