“في اربعينية عبد الهادي”

“في اربعينية عبد الهادي”

عبد الهادي المجالي في ضمير الشعب!

بقلم د صالح ارشيدات

شيع الاردن قبل اسابيع الى رحاب الله ،وفي ظروف صحية عامة صعبة، القامة الوطنية السياسية، احد فرسان الوطن الابرار الاوفياء عبد الهادي باشا المجالي وبرحيله يطوي الاردن صفحة ناصعة اخرى من تاريخ رجالاته المشرق  ويبقى ابو سهل حيا  في ضمير الشعب وعقول وقلوب كل الشرفاء والمخلصين لقضاياهم الوطنية والقومية في ارجاء هذا الوطن الشاسع.

 لقد عرفت كغيري القامة الوطنية الكبيرة المرحوم عبد الهادي باشا عن قرب و تزاملت وعملت معه لسنوات طويلة بعد عودة الديمقراطية في بداية التسعينات اثناء  بناء المؤسسات السياسية الاهلية والاحزاب وبرهن ابو سهل خلالها،  انه قائد سياسي فذ له حضور متميز واسع الاطلاع والثقافة الوطنية والخبرة في مجالات متعددة وصاحب راي وبصيرة وجريء بالحق.

 فقد خدم عبد الهادي خلال مسيرة حياته الطويلة، الوطن الاردني بكل تضاريسه ومكوناته الانسانية، وكذلك خدم النظام السياسي ومؤسساته المختلفة ، بكل تفان واخلاص في كل المراحل والمواقع التي عمل ونشط فيها منذ مراحل شبابه، بدء من انخراطه بعد التخرج، مهندسا في سلاح الهندسة، واخرها في محطة العمل البرلماني والسياسي نائبا برلمانيا عام 93 ثم  وزيرا وبرلمانيا وقائدا للبرلمان، والذي استمر لسنوات طويلة ولعدة مجالس نيابية، حيث تميز عبد الهادي وظهر كقامة برلمانية سياسية اردنية وعربية وكان مؤثرا في الحياة العامة وفي القرار الاردني وحلق عاليا خلالها واستطاع ان يستفيد من نسج  شبكة واسعة من الصداقات والعلاقات التي اقامها مع مختلف اطياف الشعب والعشائر والنخب السياسية الاردنية والعربية والفلسطينية،  مما جعل منه زعيما اردنيا مرموقا وقامة وطنية مقدرة مارست طقوس الزعامة الطبيعية لسنوات طويلة من خلال خدمة قضايا المواطنين ولقاءاته المواطنين في بيته و ديوانه اليومي المفتوح لكل الناس، وخطاباته  ومواقفه السياسية الجريئة في كل المناسبات وخصوصا البرلمانية وفي كل المنابر والمنتديات واثبت انه قائد وطني مفوه، وفي لشعبه وربه وقائده  بالفطرة والاصالة، وساهم ذلك كله في تكوين هوية سياسية بارزة لشخصية عبد الهادي كزعيم وطني سياسي بالممارسة اليومية وفارسا شهما بأخلاقه وماله وتسامحه وتواضعه وسعة صدره،  و قادر على انجاز المهمات الوطنية الصعبة بشكل غير مسبوق، لقد كان عبد الهادي كبيرا كالنسر يحلق فوق كل الصغائر..

.

كانت قناعات عبد الهادي الفكرية والسياسية والعروبية بسيطة وغير معقدة خلقتها مواقف وبيئة عائلته ال المجالي الوطنية والعسكرية وصقلتها حياته العسكرية ودراسته للهندسة، لا يعرف اللف والدوران مما شكل هويته الوطنية المحبوبة من الشعب والنخب فهو ليس ايدلوجيا بالمعنى الفكري ،يؤمن بآمته العربية ووحدتها وعمق ثقافتها الاسلامي ويؤمن بمركزية القضية الفلسطينية للعرب ويؤمن ايمانا عميقا بالنظام الهاشمي الاردني كما يؤمن بالدستور الاردني واهمية احترامه .

 حين عادت الحياة الديمقراطية بعد احداث معان عام 1989، ، انخرط عبد الهادي في العمل الحزبي ضمن رؤيته السياسية الوسطية المحافظة الواضحة ومصلحة الوطن ومساحات المرحلة الجديدة واستطاع حزبه الجديد ( العهد) في فترة زمنية بسيطة ان يلعب دورا اساسيا  في البرلمان وبعدها  لعب دورا في تشكيل الحكومات ودفع عبد الهادي بأعضاء حزبه بإخلاص من مختلف الاقاليم الى مقاعد الوزراء وحين ظهرت فكرة ضرورة توحيد اطياف الاحزاب السياسية اليسارية والوسطية بادر الى انجاز اول تجربة حزبية لتجميع 9 احزاب وسطيه تحت اسم حزب (الدستوري) عام .97 وطرح نفسه رئيسا قادما للحكومة في مرحلة الاحزاب،  وكان قاب قوسين من تحقيق ذلك.

في البرلمان الاردني  اصبح لديه كتلة التيار الوطني اكبر كتله برلمانية 55 نائبا من ثمانين نائبا، واصبح مؤثرا في تشكيل الحكومات مستفيدا من انفتاح الملك الشاب عبدالله الثاني للقوى الوطنية في مبادراته الجديدة الاجندة الوطنية واللامركزية، والتي ادت الى تنشيط الساحة العامة السياسية، بعد الدعوة الملكية المباشرة الى تفعيل اليات لتعبير لتكتل الاغلبية الصامتة لخلق توازن للقوى الفاعلة على الساحة، حيث اسرع عبد الهادي في تأسيس اطار حزب التيار الوطني برئاسته ليصبح الحزب بعد فترة بسيطة اكبر تجمع سياسي في الوطن( الاغلبية الصامتة) يجمع كل القوى الطامحة للعمل تحت ظل المبادرات الملكية وخصوصا مبادرة الاجندة الوطنية الاصلاحية الشاملة، فقد  خلق تيارا مقبولا من الجميع واوجد علاقات وصداقات مع الوان الطيف السياسي والوطني والشعبي المتنوع.

في احداث ما سمي بالربيع العربي برز دور عبد الهادي وحزبه في صناعة الحشد الشعبي الايجابي ضد موجة الفوضى العمياء وساهم بأسلوبه المقنع، في خدمة  تهدئة الساحة اثناء المظاهرات الصاخبة بما لديه من علاقات، وساهم حزبه في لجنة الحوار الوطني في انتاج التوافق الوطني على مخرجات لجنة الحوار الوطني والتعديلات الدستورية المقترحة، وإنجاز القائمة الوطنية في مسودة قانون الانتخاب، والتي اعتبرها وحزبه انتصار للعمل الحزبي واعتراف بالأحزاب كجزء من النظام السياسي البرلماني الاردني وخصوصا ان الملك بدأ بأطلاق اوراقه النقاشية والتي هدفت الوصول الى الحكومات البرلمانية ودور الاحزاب السياسية المميز في تلك المرحلة.

وفي انتخابات 2013 التي جرت على قانون القائمة الوطنية والتي قاطعها الاسلاميون قام حزبه بحشد كل الطاقات الممكنة لاستثمار القانون الجديد واشراك معظم القوى التمثيلية من مختلف المناطق والاصول في قائمة الحزب الوطنية المغلقة،  وحاول عبثا  ثني الاسلامين عن المقاطعة السياسية للانتخابات على القانون الجديد، وجرت الانتخابات بدون الاسلامين، مما ترك اثرا سلبيا في نفسه، حيث اعتقد ان وجود الاسلامين في المعركة الانتخابية يستدعي بالمقابل وجود مكونات التوازن الحزبي من التيار الوطني، مما كان ليعزز مسيرة الديمقراطية ونتائجها.

جاءت نتائج الانتخابات على نظام القائمة الوطنية مفاجئة للكثيرين من حزبه وللنخب السياسية  وجاءت بعكس التوقعات العامة ، فاعلن في مؤتمر الحزب مباشرة  بعد اعلان النتائج ،عن استقالته من عضوية البرلمان ، وعاد عن قراره رغما عنه بعد ان زاره اعضاء البرلمان الجديد احتراما عند رايهم وراي الشعب.

كان عبد الهادي يدرك تماما صعوبة العمل الحزبي في ظروف وبيئة غير صديقة للعمل الحزبي خلقت عزوفا شعبيا  متأصلا ضد فكرة واهمية الاحزاب واهدافها، بمعنى  ان الاردن غير مستعد بعد للحياة الحزبية، واعتمد عبد الهادي في رده على تلك  المقولة بالمقابل، على ان روح الدستور الاردني الليبرالي الديموقراطي سمحت بالحياة الحزبية وكذلك ممارسات الملوك الهاشمين وفلسفة الحكم الملكي في الاوراق النقاشية والمبادرات الملكية والتي امن بها، اكدت رغبتها في ذلك، والتي اعتقد انه مؤهل وقادر على تحقيق الرؤية الملكية. ولكنه غادر قبل ان يرى ذلك يتحقق ومات حزينا على ضياع الفرص لخلق نواة تجربة اردنية جديدة تضيف بعدا عميقا في التنمية السياسية للنظام السياسي الاردني ومزيدا من العزة والمنعة.

الى جنات الخلد يا ابا سهل.