غياب الحياة الحزبية وانتفاء صفة الاستعجال

غياب الحياة الحزبية وانتفاء صفة الاستعجال

لو تصفح زائر من الخارج الصحف الأردنية وألقى نظرة على مشروع الموازنة للعام المقبل، لما عرف على الإطلاق اننا نمر في أزمة اقتصادية، وان العجز المتزايد غير قابل للاستمرار، وان الدَّين الخارجي تجاوز كل الخطوط الحمر.
كمواطن أردني، لم أعد أفهم كيف تستطيع الحكومة تقديم مثل هذه الموازنة لمجلس النواب بعد كل الكلام الذي سمعناه عن الاعتماد على الذات، ولم تعد كل المبررات التي تقدمها الحكومات من شاكلة أن معظم النفقات هي من النوع الجاري الذي لا يمكن المسّ به مقنعة، لأن المسار الحالي سيجعلنا لا نصطدم بالحائط فقط، وإنما يجبرنا على ما هو أكثر من تخفيض النفقات الجارية.
نظرة سريعة على الموازنة تظهر أن النفقات الجارية ستزداد بقيمة 445 مليون دينار عن نفقات العام 2017 وهو ما لا يوحي إطلاقا بموازنة تقشفية! كما ان الإيرادات المحلية المقدرة (وهي متفائلة جدا) بالكاد تغطي النفقات الجارية فقط، حتى مع افتراض زيادة متفائلة جدا مقدارها 800 مليون دينار. وكل ذلك لا يتفق مع بيان الحكومة الذي يقول ان “المستوى المرتفع للدين العام ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيسي للحكومة”.
ما يزال الوضع الاقتصادي لدينا يعالَج عن طريق تعديلات اما طفيفة او متفائلة على الموازنة، دون خطة اقتصادية لمعالجة الوضع جذريا وهيكليا على المدى المتوسط. هل مرد ذلك ان الحكومة لا تدرك خطورة الوضع الاقتصادي؟ بالطبع لا. الفريق الاقتصادي في حكوماتنا المتعاقبة عادة ما يعي تمام المعرفة تفاصيل الوضع الاقتصادي. إذن اين المشكلة، ولماذا لا يترجم شعار الاعتماد على الذات الذي رفعته الحكومة نفسها ترجمة مقنعة ومستدامة؟
لننظر الى ما كان يمكن ان يكون عليه الحال في دول اخرى مرت بأوضاع اقتصادية صعبة، وكان فيها حكومات منتخبة.  كان الفريق السياسي والاقتصادي ليعلن حالة استنفار عامة ويخرج بخطة اقتصادية متكاملة تتعدى الجباية، وتتضمن تخفيض النفقات الجارية او عدم زيادتها، كما تتضمن خطة لمعالجة البطالة في دولة لم يعد من المقبول ان يكون فيها اكثر من مليون عامل اجنبي بينما تعدت البطالة بين الشباب نسبة الثلاثين بالمائة. كانت الحكومة لتجتمع يوميا مع مجلس النواب، وتعقد مؤتمرات صحفية يومية وتذهب الى المحافظات لتجتمع مع المواطنين في أماكن سكناهم والتواصل معهم، وشرح ما تنوي فعله للخروج من الأزمة.
لا يحدث هذا إلا ما ندر. لماذا؟ لأن حكوماتنا باختصار ليست منتخبة وهي لذلك لا تشعر بالضغط الشعبي المطلوب. أما مجلس نوابنا، فيتعرض لضغوطات عدة لا تأتي من قواعده المنتخبة، ولذا فليس لديه القدرة المطلوبة للضغط على الحكومة لتقديم موازنات تكون بحجم التحدي. وقد عودنا على إقرار الموازنة دوما بعد أن يخمد دخان الخطابات النارية، ودون مناقشة الحكومة بشكل علمي في تفاصيل الموازنة.
لن نصل الى عهد الحكومات المنتخبة في وقت قريب، ولكن هذه رسالة لكل من يردد ان الحياة الحزبية النيابية لا تصلح في الأردن، وغير ذلك من لحن الأسطوانة التي تطرب لها الدولة لأنها لا تضعها امام ضغط شعبي حقيقي. هذه هي النتيجة الطبيعية لغياب الحكومات البرلمانية.
خلاصة القول أنه إما أن تدرك الدولة، بكافة أذرعها، ان طريق الخلاص يكمن في تطوير حياة حزبية توصلنا لحكومات منتخبة تعمل تحت ضغط الشارع وتسعى حقا لتأمين احتياجاته، او نواصل إدارة البلد بالطريقة التقليدية غير المستدامة التي تعتمد على فلسفة تغيير الحكومة إنْ تفاقمت الأمور، لتأتي حكومة جديدة بوعود قديمة جديدة، وتبقى المشكلة على حالها. في بلادي يقتل المذنب دائما ليعيش الذنب.