تنبؤات مركز ‘‘ستراتفور‘‘ للشرق الأوسط

تنبؤات مركز ‘‘ستراتفور‘‘ للشرق الأوسط

– ستبقى الخلافات بين قطر ودول مجلس التعاون الخليجي بلا حل  
–  يقدم الخلاف الخليجي خدمة لأنقرة ووسيلة لتوسيع نفوذها بالخليج 
–  تواجه القوات المدعومة إيرانياً مخاطر الاشتباك مع حلفاء أميركا بسورية
–  ستواجه إسرائيل تهديدات متزايدة على حدودها الشمالية والجنوبية خلال الصيف
–  سيستمر الصراع السياسي بساحات المعارك بالوكالة بين السعودية وإيران
–  تتنافس إيران وتركيا على النفوذ بشمال العراق وستواجهان تداعيات استفتاء كردستان
–  لن يسمح متشددو إيران لروحاني بتليين الخطاب ضد السعودية والولايات المتحدة
–  خسائر “داعش” في الأراضي لن تعطل قدرته على إلهام الهجمات بالعالم

حطين/منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي مفترق طرق العالم. وهي تضم شبه الجزيرة العربية، وجبال إيران، وسهول تركيا، وصحارى بلاد الشام، والأراضي الواقعة شمال الصحراء الأفريقية وكل الشواطئ بينها. وقصة المنطقة، كما هو دائماً حال الأماكن العالقة بين اللاعبين الأجانب، هي قصة تجارة وتبادل وصراع. والقوى التقليدية في المنطقة هي تركيا وإيران -المملكة العربية السعودية ومصر هما القوى العربية الراهنة. وتنافسها لكسب النفوذ على دول المنطقة الأضعف هو الذي تجعل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسرحاً للعنف وعدم الاستقرار.
سوف تكشف المعركة التي تختمر بين قطر وبعض أعضاء مجلس التعاون الخليجي كلاً من عيوب استراتجية واشنطن المعتمدة على التحالف الذي تقوده السعودية لإدارة الصراعات الإقليمية، والفجوة الآخذة في الاتساع بين تركيا وجيرانها في الخليج.
في الأثناء، سوف تتصاعد الأزمة بين وكلاء السعودية وإيران في ساحات المعارك الممتدة من منطقة الخليج إلى بلاد الشام.
سوف تواجه القوى التي تدعمها إيران أيضاً تصاعد خطر الاشتباك مع القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة في سورية، بينما تتسابق للوصول إلى الحدود العراقية، وسط التراجع البطيء لقوات “داعش”.
سوف تعمل كل من إيران وتركيا، من خلال التنافس بقوة على النفوذ في شمال العراق، على مواجهة الزخم التي سيتكون خلف الاستفتاء المقرر إجراؤه على الاستقلال الكردي.
مشاحنة بين الحلفاء تلفُّ الشرق الأوسط
مع انتهاء الربع الثاني من العام 2017، استحوذ نزاع دولة قطر مع حفنة من أقرانها في مجلس التعاون الخليجي على اهتمام بقية المجتمع الدولي. لكن الخلافات بينهم سوف تبقى بلا حل في الربع المقبل، بينما تكشف المشاحنات عن خطوط القسمة الدائمة في داخل التحالف المناهض للإرهاب الذي أملت الولايات المتحدة -وزعيمة دول مجلس التعاون الخليجي بحكم الأمر الواقع، السعودية- في أن يتعامل مع إدارة صراعات الشرق الأوسط الكثيرة. وبينما تحاول المملكة ترسيخ سلطتها بين نظيراتها من دول الخليج عن طريق إخضاع مسار الدوحة المستقل، سوف تكافح قطر للحفاظ على مكانة السياسة الخارجية الفريدة التي اختطتها لنفسها خارج حدود الظل السعودي.
سوف يفعل دور الولايات المتحدة في المنطقة الكثير في تشكيل حصيلة هذه المواجهة. فمن جهة، لدى السعودية وحليفتها، الإمارات العربية المتحدة، ثقة في دعم البيت الأبيض لأجندتهما لاحتواء أنشطة الإسلاميين السياسيين والمسلحين، بالإضافة إلى إيران. ومن جهة أخرى، لدى الجيش الأميركي بصمة عميقة ودائمة في قطر، والتي لن يسمح للنزاع الدبلوماسي الحالي بأن يمحوها وهكذا، طالما كان الطرفان يستطيعان الاعتماد على دعم واشنطن، فإنهما يستطيعان تحمل كلفة الاستمرار في التمسك بمواقفهما، وهو ما يؤكد عبثية محاولات البيت الأبيض ضم أعضاء من دول مجلس التعاون الخليج المتنازِعة لتشكيل “ناتو عربي” قادر على التعامل مع إيران وتحييد التهديد الجهادي.
سوف تقف تركيا، التي تشارك قطر دعمها للمجموعات الإسلامية في جميع أنحاء المنطقة، إلى جانب شريكتها في شجارها مع دول مجلس التعاون الخليجي. وبفعلها ذلك، سوف تكشف عن صدع عميق بين القوى السنية التي تنظر إلى الإسلاميين كتهديد وجودي، وبين تلك التي ترى في مثل هذه المجموعات جزءاً لا يتجزأ من مجتمع الشرق الأوسط. وبالنسبة لأنقرة، لا يمكن أن يكون توقيت هذا التشاحن أفضل مما هو الآن: فبعد كل شيء، يقدم هذا الوضع لأنقرة وسيلة لتوسيع نفوذها في الخليج مع تنامي تنافسها الهادئ مع إيران في سورية والعراق.
مع ذلك، سوف تؤدي مواجهة أنقرة بطريقة أكثر وضوحاً مع نظرائها السنة، إلى تحفيز السعودية والإمارات على زيادة انخراطهما في صراعات سورية والعراق على أمل إحداث توازن ضد تركيا وإيران. وبينما تتحول قطر نحو تركيا وإيران وروسيا من أجل المساعدة الدبلوماسية واللوجستية في نزاعها مع دول مجلس التعاون الخليجي، سوف تصبح السعودية أكثر اقتناعاً بالحاجة إلى التمسك بموقف صارم تجاه الدوحة.
سوف يستمر الشعور بالآثار التجارية والدبلوماسية لهذا الخلاف في الربع الثالث أيضاً. ولأن قطر تعتمد على موقع الإمارات العربية المتحدة كمركز إقليمي للترانزيت، فإن سلاسل الإمداد التي تشمل منتجات تُشحن من قطر براً أو جواً، مثل الهيليوم، تواجه خطر الانقطاع الحاد مع استمرار المشاحنة. وسوف تكون تجارة النفط والغاز المسال أقل تأثراً، بما أن قطر تمتلك مرافق مخصصة للتصدير المباشر، ولديها القدرة على التكيف مع القيود المفروضة على الموانئ الإقليمية (ولو بكلفة أعلى) على شحنات النفط والغاز المسال. لكن قطر ستشهد اهتزازاً في قطاعها المالي، بسبب اعتماد هذه الصناعة الكثيف على الصلات مع القطاعات المصرفية في كل دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة الإمارات العربية المتحدة. وسوف تضيف الضربة التي وُجهت إلى الخطوط الجوية القطرية، بفعل حظر استخدام المجالات الجوية السعودية والإماراتية والبحرينية، إلى الضغط المتصاعد على الدوحة لإجبارها على الانصياع للمطالب المحتملة للكتلة.
على رأس هذه المطالب تخفيف التغطيات التي تُعدها المنافد الإعلامية مثل قناة الجزيرة، وقطع العلاقات مع الجماعات الإسلامية، ومواءمة السياسة الخارجية القطرية مع سياسة الرياض. ويرجح أن تتخذ قطر خطوات للتعامل مع المطلبين الأولين؛ حيث تقوم بإنشاء بعض مؤسسات الأخبار المستقلة الجديدة، بينما تخفف من وجود الجماعات الإسلامية داخل حدودها، كما بدأت تفعل مسبقاً بتكتم. لكن السعودية والإمارات ربما تذهبان خطوة أبعد، فتطلبان من قطر قطع علاقتها بإيران، وطرد الإسلاميين البارزين والحد من تعاونها العسكري مع تركيا -وهي شراكة أقلقت السعودية في سعيها إلى أن تكون القوة السنية القائدة في المنطقة. وبطبيعة الحال، لا تنوي الدوحة الانصياع بسهولة إلى أي من هذه المطالب التي تزعم أنها لا تقوم على أساس. (ناهيك عن حقيقة أن الروابط مع إيران والجماعات الإسلامية تنطوي على أهمية حاسمة لأجندات قطر الاقتصادية وأجندات السياسة الخارجية). ومع أن الأطراف الخارجية، مثل الولايات المتحدة وتركيا، ستحاول التوسط لحل للأزمة، فإن السعودية والولايات المتحدة ستعملان على إبقاء الوساطة في داخل أسرة دول مجلس التعاون الخليجي، بتركيز المفاوضات في الكويت وسلطنة عمان.
خصمان قديمان يتعاركان بالوكالة
بينما تستخدم السعودية دعم البيت الأبيض لمحاولة تعزيز دورها القيادي في المنطقة، سوف تتصاعد التوترات بين المملكة وإيران. وقد اتضحت مخاطر التصعيد في تنافسهما المحتدم مسبقاً في ميادين المعارك المستعرة في كل أنحاء الشرق الأوسط خلال الربع الثاني من العام. وتستمر قدرة إيران على تجهيز الوكلاء الإقليميين، مثل الثوار الحوثيين الذين يحاربهم التحالف بقيادة السعودية في اليمن، في إثارة مخاوف المملكة. وينطبق الشيء نفسه على تأثير إيران على اللاعبين المحليين في الأماكن غير المستقرة في الجوار، مثل المنطقة الشرقية في السعودية، وفي البحرين، حيث قدمت الحكومة الإيرانية دعماً شفوياً للحركات الشيعية الانفصالية، وحيث تكافح قوات الأمن السعودية والبحرينية لتعقب واعتقال الخلايا المسلحة. وبالإضافة إلى ذلك، تقدم عمليات الرياض الأمنية المستمرة في منطقة الماسورة في العوامية، للمتمردين الشيعة في المنطقة فرصة لمهاجمة القوات السعودية. ولذلك، ستبقى المملكة متشككة بعمق في إيران، وسوف تراقب بحذر أي محاولة تبذلها طهران لإثارة الاضطرابات في الأجزاء التي تقطنها أغلبيات شيعية في شبه الجزيرة العربية -وسوف تستخدم مخاوفها كذريعة لتعزيز دعمها الخاص للمسلحين الذين يستهدفون المصالح الإيرانية.
سوف تتكثف لعبة اللوم المتبادل بين القوتين المتنافستين في الربع الثالث من العام. وكانت طهران قد وجهت على مدى الأشهر الأخيرة اتهامات غير مسبوقة للسعودية بإثارة الاضطرابات داخل حدود إيران. (على سبيل المثال، زعمت طهران أن الرياض وواشنطن كانتا متورطتين في هجوم “داعش” المزدوج يوم 7 حزيران (يونيو) في العاصمة الإيرانية). وسوف تستمر الحكومة الإيرانية في الإشارة بأصابع الاتهام إلى السعودية في أي تهديدات تنشأ لاستقرار إيران، بغض النظر عن وجود أي أدلة تدعم ادعاءاتها. ويمكن أن تفضي المزاعم المتبادلة إلى تصعيد في الغارات ضد الجماعات المتشددة، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إثارة المزيد من الاضطرابات. وتشمل المناطق الساخنة التي تمكن مراقبتها لرصد علامات هذه الدوامة المتقلبة أماكن استهدفتها إيران مسبقاً في غاراتها لمكافحة الإرهاب، مثل مناطقها الشمالية الغربية الكردية المجاورة لحدود العراق؛ ومناطق في جنوب البلاد حيث أغلبية السكان من السُنة؛ ومحافظة سيستان-بلوشستان المضطربة في جنوب شرق البلاد. وفي الحقيقة، تزعم إيران مسبقاً أنها تمتلك الدليل على تدخل السعودية بين المجتمعات المتشددة المحلية في هذه المناطق.
سوف يتجلى صراع الجبابرة هذا بين القوتين في ساحات المعارك السياسية أيضاً. وبينما كان الربع الثاني من العام موشكاً على الانتهاء، وافق المشرعون اللبنانيون على قانون انتخابي جديد ومددوا ولاية البرلمان حتى 20 أيار (مايو) 2018. ويخفض القانون الجديد عدد الدوائر الانتخابية في البلد من 26 إلى 15، وهي خطوة تُقلق الأحزاب اللبنانية والجماعات الديمغرافية الأصغر. وعلى مدى الأشهر القليلة القادمة، سوف يعرض المشرعون تفاصيل الانتخابات النيابية، وسوف يعمل القادة الدروز والمسيحيون والسنة على ضمان أن لا تضيع أصواتهم وسط الأغلبية الشيعية في البلد. ومع ذلك، ربما يكون أكثر تداعيات القانون الجديد أهمية هو أنه سوف يحد من قدرة أي لاعب أجنبي -بما في ذلك إيران والسعودية- على فرض أجندته على الحكومة اللبنانية.
بطبيعة الحال، لم تنس السعودية التحديات التي تواجهها في الوطن وسط نضالها من أجل الهيمنة في الشرق الأوسط بشكل عام. وفي الأشهر المقبلة، يتوقع أن تعلن الرياض عن طرحها الأولي المتوقع كثيراً لأسهم شركة البترول السعودية، بالإضافة إلى نتائج المراجعة الجارية لاحتياطيات النفط في المملكة. وقد دافع ولي العهد المعين حديثاً، محمد بن سلمان، عن جهود طرح الاكتتاب العام.
بعد قفزه تواً إلى مقدمة صف خلافة عرش المملكة، وتحييد ولي العهد السابق محمد بن نايف في العملية، يتمتع محمد بن سلمان بتفويض جديد لتكثيف نهجه الحازم تجاه إيران والإصلاح الاقتصادي. كما أصبح ولي العهد الجديد يتمتع الآن بالسلطة لممارسة نفوذ أكبر على شؤون الأمن القومي السعودي، وسوف لن يضيع وقتاً في اعتبار إيران مسؤولة عن التهديدات التي يواجهها البلد. وسوف يستخدم بن سلمان دون شك نفوذه الجديد لمحاولة تخويف القوى السنية في المنطقة لدفعها إلى اتباع قيادة السعودية والوقوف متحدة ضد إيران. وعلى الرغم من أفضل الجهود التي يبذلها، فإن دولاً مثل قطر ولبنان ومصر ستعمل على تجنب جرها إلى مواجهة الرياض المتصاعدة مع طهران. ومع ذلك، لن تكون الموازنة بين الطرفين عملية سهلة كثيراً بالنسبة لبلدان لديها كثافة سكانية كبيرة من السنة والشيعة، وعلاقات إيجابية مع كلتا القوتين، مثل باكستان والعراق.
متشددو إيران يضيقون على الرئيس
بطريقة تسعد كثيراً حليفها السعودي، سوف تحتفظ الولايات المتحدة بالعقوبات الاقتصادية قائمة ضد برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية في هذا الربع من العام، بينما تواصل استهداف الأفراد والشركات المرتبطين بجهاز الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية. وسوف تناضل كل من واشنطن وطهران للإبقاء على خطة العمل الشاملة المشتركة قائمة، لكن الاحتكاك الدائم بين البلدين سوف يحد من الخيارات السياسية للرئيس الإيراني حسن روحاني. وفي هجوم “داعش” المزدوج في طهران يوم 7 حزيران (يونيو)، سوف يغتنم الحرس الثوري الإيراني الفرصة لتأمين المزيد من الموارد ولتوسيع نشاطاته في الخارج. ومع أنه أعيد انتخابه حديثاً، سوف يواجه روحاني أوقاتاً عصيبة في استخدام تفويضه الجديد لتخفيف نفوذ الحرس الثوري، وهو هدف حاول تحقيقه من قبل. ونتيجة لذلك، لن يتمكن الرئيس من الذهاب باتصالات إيران مع السعودية والولايات المتحدة إلى مزيد من الاعتدال.
ليس هذا الواقع غير معتاد بالضرورة بالنسبة لإيران؛ فقد واجه رؤساء الولاية الثانية في البلد المصاعب تاريخياً لدى محاولة ترسيخ أجنداتهم والإبقاء على الحرس الثوري وحلفائه السياسيين المتشددين مع الخط. وبينما يناضل روحاني للوفاء بوعود حملته الانتخابية حول الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، فإن الفجوة بينه وبين بقية الحكومة الإيرانية (التي معظم أعضائها مُعين وليس منتخباً) سوف تتسع بلا شك، وربما يتبين أن العوائق التي يضعها الحرس الثوري الإيراني أمام الإصلاح لا يمكن تجاوزها.
الحرب الأهلية السورية
عبر حدود إيران الغربية، عانى تنظيم “الدولة الإسلامية” من هزائم معوقة في العراق وسورية. لكن خسارة الأراضي في مناطق عمليات المجموعة الرئيسية لم تعطل قدرتها على إلهام منفذي الهجمات في الأماكن الأخرى من العالم. ما يزال تهديد “داعش” يتطور بلا توقف، كما يتضح من هجماته الأولى في طهران في الربع الماضي. ومع ذلك، ربما يتجسد أحد التداعيات المحتملة للحادثة في جر إيران أعمق إلى القتال ضد “داعش” في سورية. وتخاطر قوات طهران، التي تندفع شرقاً فعلياً في سورية في اتجاه مواقع “داعش” بالقرب من الحدود العراقية، باحتمال الاشتباك مع القوات الأميركية المنتشرة هناك.
من جانبها، تركز الولايات المتحدة أنظارها على “داعش”. وبدعم من الولايات المتحدة، بدأت قوات سورية الديمقراطية تقدمها نحو مدينة الرقة الاستراتيجية، والتي تشكل واحداً من آخر معاقل المجموعة الجهادية. ولكن، في انعطافة جديدة للأحداث، وجد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤه من الثوار أنفسهم في مواجهة مع الحكومة السورية المدعومة من إيران وروسيا، في إطار سباق لانتزاع باقي مناطق “داعش” من قبضته المتراخية. ويتحرك كل واحد من المشاركين في هذا السباق على الحدود العراقية بدفع مصالح مختلفة، لكن رغبتهم المشتركة في السيطرة على نفس القطاع م نالأرض سوف تضعهم في مواجهة بعضهم بعضاً، وهو يزيد مخاطر الصدام في هذا الربع من العام.
بالنسبة للحكومة السورية، يشكل الوصول إلى مواقع أمامية في أقصى الشرق وشمال الشرق شأناً حاسماً لطموحاتها إلى استعادة السيطرة على البلد. ويبدو راعيها الإيراني أكثر اهتماماً بكثير في استغلال الاندفاعة لبناء جسر بري يمتد من طهران إلى دمشق والبحر الأبيض المتوسط -وهي صلة سوف توسع إلى حد كبير وصول طهران عن طريق تقوية اللوجستيات وخطوط الإمداد وتحسين قدرتها على ممارسة القوة. كما أن روسيا منخرطة بعمق أيضاً في اندفاعة الموالين والمكونة من ثلاث شعب في اتجاه الحدود العراقية. وبينما تصبح قوات الحكومة السورية أقرب، فإنها يمكن أن تعرقل عمليات الثوار في المنطقة.
أدى تواجد حلفاء الولايات المتحدة في شرق سورية مسبقاً إلى تعقيد حملة الموالين في اتجاه الشرق، وسوف يواصلون ذلك في الربع القادم. ومع ذلك، من المرجح أن لا يتمكن حلفاء واشنطن من الحيلولة دون وصول خصومهم المدعومين من إيران وروسيا إلى الحدود أولاً، وبحلول نهاية العام.
معركة الموصل
ثمة معركة مهمة أخرى في القتال ضد “داعش” تصل إلى نهاياتها أيضاً. فالمعركة من أجل استعادة مدينة الموصل العراقية توشك على الانتهاء؛ وقد حاصرت القوات العراقية وطهرت تقريباً آخر جيب للمشتددين المسلحين في المدينة. وبمجرد انتهاء المهمة، ستصبح هذه القوات حرة في التحول لإضفاء الاستقرار على أجزاء أخرى من البلد، بما فيها تلعفر، الحويجة، وديالا والأنبار. كما ستحول انتباهها أيضاً إلى الأراضي المستعادة التي أصبحت مضطربة وحرونة، مثل طوز خورماتو وسنجار. ومع أنه تم طرد قوات “داعش” من هذه الأماكن، فإنها تظل موطناً لسكان متنوعين وشخصيات سياسية تتنافس على الحق في حكم هؤلاء السكان. وحتى الآن، استطاع رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، وضع هذه المسألة وراء ظهره، لكن نهاية عملية الموصل سوف تعيد إحياء المفاوضات حولها، بالإضافة إلى نشر القوات في المناطق المتنازع عليها. وسوف تسخن المحادثات حول هذه المسائل الشائكة في الأشهر القادمة، مما يؤدي إلى تفاقم الصدوع داخل حكومة إقليم كردستان، وبين أربيل وبغداد.
لأن “داعش” فر إلى حد كبير من كردستان العراق، تمكنت الفصائل السياسية المحلية من استئناف نقاشها حول مستقبل المنطقة شبه المستقلة. وقرب نهاية الربع الثاني من العام، أعلن الساسة الأكراد عن عقد استفتاء على الاستقلال في 25 أيلول (سبتمبر). وقد دفع التقاء الأكراد وتحالفهم المؤقت حول هذه المسألة القوى المعنية إلى محاولة إخراج التصويت عن مساره، خاصة بما أنه سيشمل محافظة كركوك الغنية بالنفط. ومن المرجح أن تحاول بغداد، على سبيل المثال، تشتيت انتباه القادة الأكراد عن الاستفتاء عن طريق إجبار حكومة إقليم كردستان على تسوية نزاعاتها غير المحلولة المتعلقة بالأراضي والطاقة مع الحكومة المركزية العراقية.
في الأثناء، سوف تعمد الدول الأخرى التي تضم أعداداً كبيرة من الأكراد، مثل تركيا وإيران، إلى استغلال الفصائل الكردية التي لها نفوذ عليها، لإقحام نفسها في خطط الاستفتاء. فبعد كل شيء، سوف يؤسس نجاح محاولة الاستقلال في كردستان العراقية سابقة للمجموعات الكردية الأخرى في كل أنحاء الشرق الأوسط، حيث يمكن تلهم بعضها الشروع في الضغط لإقامة دولها الخاصة. وبالنظر إلى القيود المفروضة على أعمال تركيا في سورية، سوف تبحث أنقرة عن فرص في العراق لتشكيل المناخ السياسي والأمني في المنطقة بعد أن تنتهي عملية الموصل. ومع ذلك، وبإقحام نفسها في كردستان العراق، سوف توتر تركيا علاقاتها مع رئيس إقليم كردستان، مسعود برزاني. وفي كل هذه الفترة، سوف تستخدم إيران حلفاءها العراقيين والأكراد المتمركزين بجوار القوات التي تدعمها تركيا لحماية مصالحها الخاصة في شمال العراق ولإفساد خطط الأتراك.
على الرغم من التدخل المتفشي، لن يفقد الاستفتاء الكردي زخمه. لكنه سيقع مع ذلك فريسة للاقتتال الداخلي بين الفصائل الكردية المتنافسة، والذي سيسفر إما عن تصويت ترفض بغداد الاعتراف به، أو واحد لا يعتزم الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم التمسك به. (ببعض الطرق، دافع برزاني عن الاستفتاء ليصرف انتباه ناخبيه عن مشاكل حكومة إقليم كردستان الضاغطة وعن بقائه غير القانوني في المنصب، أكبر من تأمين الاستقلال لشعبه).
سوف تخضع الحكومة العراقية في بغداد لتغييراتها السياسية الخاصة بينما تقوِّي التحالفات نفسها وقواعد دعمها استعداداً لانتخابات المحافظات في أيلول (سبتمبر) المقبل. أما إذا كانت الانتخابات ستُجرى في وقتها المقرر أم لا، فإن ذلك يعتمد على موافقة البرلمان على قانون انتخابي جديد. وفي حال فشلت الموافقة في التحقق، فإن انتخابات المحافظات يمكن أن تترافق مع الانتخابات البرلمانية في النصف الأول من العام 2018. ولكن، حتى في حال التأجيل، فإن التسابق بين الأحزاب السياسية العراقية سوف يتواصل خلال الربع الثالث بينما يحاول كل منها الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد في المجلس التشريعي. وحتى الآن، يشعر الزعيم الشيعي القوي مقتدى الصدر بالسرور من الكيفية التي يتشكل بها القانون الانتخابي، وشرع في التواصل مع الأحزاب الكردية والسنية لتوسيع نطاق قبوله الشعبي. ومع ذلك، وفي حال لم يمر مشروع القانون في شكله الحالي الذي يفضل الأحزاب الصغيرة على الكبيرة، فإن الصدر ربما يلجأ إلى دعوة الحشود من أنصاره للخروج إلى الشوارع.
إسرائيل تستعد لصيف متوتر
عبر حدود العراق الغربية، كثفت إسرائيل نشاطها في سورية. وخلال الربع الثاني من العام، شنت العديد من الغارات الجوية ضد قوافل أسلحة تعود إلى حزب الله، الجماعة اللبنانية المتشددة المسلحة التي تدعمها إيران، بينما تعبر شمال سورية. وتؤكد الهجمات على التهديد المقيم الذي يشكله الحلفاء السوريون والإيرانيون قرب حدود إسرائيل الشمالية على أمنها القومي.
كما تواجه إسرائيل أيضاً تهديداً مستمراً على حافتها الجنوبية. وقد أثار مسؤولون إسرائيليون احتمال وقوع صدام جديد مع المتشددين السلفيين في غزة بعد اعتراض عدة هجمات صاروخية صغيرة -والتي قيل إنها من تنفيذ مجموعات عدة- بجوار الحدود. وربما تضيف العداوة المقيمة بين مجموعتي فتح وحماس الفلسطينيتين على الموارد في غزة الوقود على النار، ولو أنها ليست لدى أي منهما الإرادة السياسية لإثارة صراع أكبر مع إسرائيل.
بدلاً من ذلك، كانت حماس منشغلة بنزاع قطر مع دول مجلس التعاون الخليجي، الذي هدد عمليات المجموعة في الدوحة. ومن المرجح أن يكون مسؤولو حماس بصدد إعداد خطط للطوارئ في حال اضطرارهم إلى نقل بعض أو كل أنشطتهم إلى مكان آخر. وربما تكون إيران هي الحل لمشكلة المجموعة: فبعد سنة من العلاقات الباردة، شرعت علاقات طهران بحماس في اكتساب بعض الدفء، وعبر كلا الطرفين عن الرغبة في ضمان استمرار هذا الاتجاه. لكن إيران ليست خاطب ود حماس الوحيد، فقد عرضت مصر أيضاً إرسال إمدادات الكهرباء إلى غزة وتخفيف القيود عن معبرها الحدودي مع القطاع في مقابل تنازلات أمنية. ولذلك سوف تمضي حماس الربع المقبل في وضع الاستراتيجيات التي تمكنها من تحقيق التوازن بين عروض طهران والقاهرة من تدون تنفيرهما معاً.
الحرب الأهلية الليبية
على امتداد قطاع مختلف من ساحل البحر الأبيض المتوسط، ما تزال ثلاث حكومات متنافسة ليبية تتقاتل من أجل السيطرة على البلد. وسوف تعمل حكومة الوفاق الوطني، التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والمعترف بها من الأمم المتحدة، مع خليفة حفتر، القائد الميداني للجيش الوطني الليبي، وحلفائه في مجلس النواب الشرقي، على متابعة خريطة الطريق السياسية التي وقعوا عليها في وقت سابق من هذا العام. (يشمل الاتفاق خطة لعقد انتخابات في الربع الأول من العام 2018). ومع ذلك، سوف تؤدي الانقسامات المتعمقة في كلا المعسكرين إلى الحد من نجاح المحادثات، حتى بينما يحاول حفتر تحسين صورته وتخفيف موقفه من الميليشيات التي تدعم حكومة الوفاق الوطني.
وقد أعطت هذه الميليشيات حكومة الوفاق الوطني اليد العليا في طرابلس منذ انسحب خصومها من ميليشيات مصراتة، المتحالفة مع “المؤتمر الوطني العام”، في الربع الماضي من العام. لكن معركة حكومة الوفاق الوطني من أجل الشرعية في المدينة الاستراتيجية لم تُكسب بعد: فما تزال ميليشيات مصراتة تحوم في بعض أجزاء ضواحي طرابلس. وفي الأثناء، وعلى الرغم من أن الجيش الوطني الليبي سوف يواصل تقدمه إلى الجنوب والغرب، فإن عوز حفتر للقوات البرية سوف يعيق تحركه إلى خارج خطوط المعركة الحالية.
مكنت عودة الاستقرار إلى الكثير من أنحاء ليبيا قطاع النفط في البلد من الشروع في التعافي البطيء. ومع ذلك، سوف يستمر التقلب في تعريض هذا التعافي للخطر. وفي الربع القادم من العام، يمكن أن ينخفض إنتاج النفط عن معدلاته التي سجلها في شهر أيار (مايو)، والتي بلغت 730.000 برميل يومياً، لتهبط إلى نحو 450.000 برميل في حال انفجر أي من خطوط الصدع الليبية الكثيرة. ومع ذلك، فإن ارتفاعاً في الإنتاج (ولو مؤقتاً) إلى ما بين 900.000 و1.000.000 برميل يومياً يبقى احتمالاً قوياً خلال فترات الهدوء.