بقايا الحرب الباردة وعودة الدور الروسي

بقايا الحرب الباردة وعودة الدور الروسي

بانهيار جدار برلين 1989 وتبعاته الاستراتيجية العالمية، تفكك الاتحاد السوفيتي، انتهت الحرب الباردة والهيمنة المشتركة بين القطبين الكبيرين على المستوى العالمي، بعد مرور اكثر من اربعين عاما من الحشد والاصطفاف السياسي والايدولوجي المعاكس لدى المعسكرين وحلفائهم دول العالم العربي، ومن التوتر والتجسس والعمليات الغامضة، والتهديد احيانا بالحرب النووية، انتهت هذة الحرب الباردة، بانتصار المعسكر الغربي وحلف الناتو، وتفرد الولايات المتحدة بالهيمنة بقيادة النظام العالمي الجديد،وتراجعت مواقف واساليب تأثير قوة روسيا وحلفائها السابقة الى حين. – على المستوى العربي ودوله، حسبت مصر وسوريا والعراق واليمن والجزائر،على انها تتبنى اقتصادا شموليا ونظاما وفكرا ومنظومات امن شبه اشتراكية، واعلاما وثقافة عامة مركزية وموجهة ضد الغرب، هذه المنظومة العربية التي وصفت بالقومية، وقفت واصطفت حكما، اثناء الحرب الباردة وبدرجات، ضد السياسه الاميركية في المنطقة، وضد احتلال دولة اسرائيل لفلسطين،ودعمت سياسياً من قبل ما سمي بالكتلة الشرقية لسنوات طويلة تم خلالها بناء قدرات عسكرية واقتصادية لها، وشكلت محاور سياسية اقليمية بدعم واضح من الاتحاد السوفيتي سابقاً، اعتبرت في نظر السياسة الدولية الغربية « تشكل الحلقة الاقرب الى الاتحاد السوفيتي سابقا. معظم هذه الدول الحليفة لروسيا سابقا، تأثرت في صميمها بعد انتهاء الحرب الباردة، وفقدت الدعم السياسي واللوجستي السابق،وحين جاء الربيع العربي وتداعياته الفوضوية،كانت دول هذه المنظومة في مقدمه الدول المنخرطة بالحروب والاقتتال الداخلي، والمستمر حاليا في معظمها،فهل اشترط النظام العالمي الجديد مثلا،اعادة تشكيل معظم دول هذه المنظومة، واعادة تأهيلها. – سعت ماكنة النظام العالمي الجديد المنتصرفي الحرب الباردة، الى اقتلاع وتبديل كل ما يشير الى الفكرالاشتراكي، السياسي والاقتصادي الشمولي في جمهوريات الاتحاد السوفيتي المنحلة، وحاولت ماكنة الغرب ايضاً العمل نفسه في مجموعة الدول الاخرى التي تبنت الفكر الشمولي،وحولت،معظم الجمهوريات المنحلة في اوروبا الشرقية الى نظام رأسمالي يعتمد اقتصاد السوق، وتبنت النظام الغربي الديمقراطي المعتمدعلى احزاب غالبية وظل، وانتخابات برلمانية كل اربع سنوات.وهي من ادوات الهيمنه الاقتصاديه والسياسيه في الغرب الليبرالي. -انضمت معظم هذه الجمهوريات الى الاتحاد الاوربي، والى حلف الناتو الغربي،وشكلت طوقا استراتيجيا امام دولة روسيا الجديدة، التي اوقفت، وبقوة مد انظمام جارتها الجنوبية، جمهورية اوكرانيا الى حلف الناتو، ونتج عن ذلك الفعل العسكري،خلق حالة جديدة من الحرب الباردة بين روسيا ودول الاتحاد الاوربي وامريكا، وتم فرض عقوبات اقتصادية هائلة على روسيا. – دخلت دولة ايران الدينية ايام ثورة الخميني عام 1979 على خطوط المواجهة العربية الاسرائيلية من جهة، وعلى خطوط المواجهة الاسلامية المتشددة مع الغرب من جهه اخرى، باعتبار الغرب كافرا ويقف ضد الشرق الاسلامي وضد الحقوق الفلسطينية المشروعة،واعتبرت دوله ايران غير منسجمة مع نظام هي منه مكونات الحرب الباردة السابقة بقطبيه الغربي والشرقي، واعتبرت شعارات ثورة ايران انها دولة صديقة للفلسطينيين وعدوة لاسرائيل، وهما مركز التوتر في العالم، ومركز الاستقطاب السياسي الدولي. – استقطبت ايران دولاً وتنظيمات عربية شمولية، مثل سوريا وحزب الله وحركة حماس، وحركه الحوثيين، بعد ان فشلت بعض الدول العربية ودول الغرب في بداية الثمانيات، في انهاء مشروع الدولة الدينية والحلم الايراني الصاعد في الاقليم،وتبنت ايران سياسة العداء لدولة اسرائيل والولايات المتحدة،في فترة ما بعد الحرب الباردة،وخصوصاً بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق، واسقاط نظام صدام حسين السني المعادي لمشروع ايران، وخروج القوات الاميريكية من العراق. – بعد الاعلان عن فشل اتفاقيات اوسلو المعقودة برعاية دولية عام، 1993 في اقامة دولة فلسطينيه خلال عشرة اعوام،انشقت الحركة الفلسطينية الى حركة فلسطينية (م ت ف) تتبنى المسار التفاوضي لتحرير فلسطين، والى حركة اسلامية (حماس) تتبنى الوسائل الحربية لتحرير فلسطين، تلقت الدعم العسكري والفني من دوله ايران، واعتبرت حركه حماس احيانا، امتدادا للمشروع الايراني. وادى الصراع الفلسطيني الفلسطيني بينهما الى تراجع القضية الفلسطينية. – اعتبرالغرب مجموعة، ايران وسوريا وحزب الله و(حركه حماس احيانا )، حلقة تحالف عسكرية متماسكة بغطاء ديني (الهلال الشيعي) تشكل تهديداً للمسار العالمي الجديد، وكذلك تهديدا لدولة اسرائيل التي حاولت مراراً بالتعاون مع حلفائها الغربين والعرب، القضاء عسكرياً على هذا التحالف الشيعي ومشروعه النووي المهدد لوجودها، ولكنها فشلت مرارا في جر المنطقه للحرب المباشرة، وتواءم هذا المشهد المتوتر اقليميا مع احتلال وضم روسيا لمنطقة القرم الاستراتيجية على البحر الاسود، وخلق حالة من التوتر في اوربا الغربية يهدد بالحرب في اي وقت. – هيأت موجات الفوضى والاقتتال الداخلي الخاصة بدول الربيع العربي عام 2011، التي عمت معظم الدول العربية، المناخ والبيئة المحفزة وفرصة ولادة وانتشار التنظيمات الدينية المسلحة الغامضة وخصوصاً « داعش والنصرة» حين اعلنت ايران عن استمرارها المضي في برنامجها النووي وبدء المفاوضات مع دول 6+1 حول نزع قدرة ايران على صناعة قنبلة نووية. – ان بروز تنظيم الدولة الاسلامية «داعش» بهذه القوة واظهاره دوافع وافكار دينية سلفية تكفيرية رجعية، واستراتيجية سياسية متقدمة لفهم واستغلال الصراعات في الاقليم، من خلال اعلان دولة الخلافة الاسلامية على الارض في العراق وسوريا، واستعمال ادوات اعلام وعلاقات عامة،تجارية وسياسية حديثة. -تساؤلات عديدة ظهرت في العالم حول اهداف وقدرات تنظيم داعش العسكرية واللوجستية والاعلامية، وعززها استقطاب مقاتلين شبان من مختلف دول العالم،بما يشير الى انه يتلقى دعما كبيراً من انظمة دولية قوية جداً غير محددة،قادرة على تقليص دوره بانتهاء اسباب التوتر المتعلقة بالحرب الدينية الافتراضية واهدافها الغامضة بالتقسيم المذهبي، او توقيع اتفاق سلام. -تمنعت الادارة الاميركية على التورط في حرب كبرى جديدة ضد ايران وحلفائها في المنطقة، رغم الضغط الشديد الذي مورس عليها من قبل التحالف الغربي ودولة اسرائيل وبعض الدول العربية، التي يزعجها بروز دولة ايران الدينية ومشروعها، وانتشارها سياسيا وعسكريا في دول الاقليم العربي. -اتجهت الولايات الاميركية ودول 5+1 للتفاوض مع ايران للوصول الى حلول سلمية لملفها النووي، ولمعظم الملفات العالقة في الاقليم وخصوصا ملف محاربه الارهاب المتصاعد،وقد نجحت بالفعل، ويظهر ان تغيرا ما في الاستراتيجية الاميركية نحو الشرق الاوسط قد تم رصده، بعيدا عن موضوع الالتزام بحماية دولة اسرائيل الدائم،وحماية منابع النفط،بعد ان اصبحت اميركا دوله نفطية، تنتج اليوم كامل احتياجاتها من النفط والغاز، وشرعت القوانين، لتصدير الطاقة عام 2021. عودة الدور الروسي. -الاتفاق النووي مع ايران يحمل في طيه اطارا اوسع لحل موضوع الحرب الاهليه في سوريا، والحرب في اليمن، وادارة جديدة لقيادة ملفات الاقليم في غياب تأثير النظام العربي المنهار،ويظهر ان ايران بعد الاعتراف بها دوليا، ستلعب دورا مهما في الاقليم وملفاته المتعددة،وقد تلعب روسيا حليفة ايران السياسية، دورا ايجابيا في الحرب على الارهاب رغم المقاطعة الدولية لها. – اليوم وبعد توقيع الاتفاق النووي رسمياً فإن روسيا حليفة ايران ستقود دبلوماسية تهدئة الاطراف المعنية بالصراع في الاقليم، فروسيا اليوم قادرة على الجلوس مع الولايات المتحدة لبحث تطبيق ما هو صعب من مخرجات وتبعات الاتفاق النووي، وهو ملف سوريا المتشابك مع ملفات اسرائيل، وحزب الله،ومع ايران الثورة والايدولوجية الدينية في الاقليم. -فالقضية لروسيا ليست وجود وبقاء الاسد في الحكم او خارجه؟ القضية ما هو شكل الاقليم القادم بعد الحروب الدينية المفتعلة، هل هناك تقسيمات جغرافية مذهبية وعرقية لدولة الساحل السوري حيث تتواجد روسيا استراتيجيا او لبعض الدول العربيه؟، بعد ان تم تهجيرملايين السكان العرب من مدنهم وقراهم، بما فيهم جزء من فلسطيني سوريا ولبنان، وبعد ان عمت الحرب المذهبيه المدبرة بين المكونات السكانية للدولة الواحدة في العراق وسوريا واليمن.والسؤال: – هل ستبقى سوريا موحدة بعد هذا الدمار والدم بين المكونات السكانية والتنظيمات المسلحة والنظام؟ -لماذا يتم تهجير سكان سوريا الشمالية بسهولة مصطنعة الى اوروبا؟ – هل ستحكم المعارضة سوريا، ومن هي المعارضه؟، وهل توقع صلحا تاريخيا مع اسرائيل، وما هو مصير حزب الله في فترة ما بعد الاتفاق النووي؟ -ما هو مستقبل وتأثير مشاريع الطاقة الجديدة، المكتشفة في المتوسط وامام سواحل ايران وقطر، على النظام العالمي للطاقة؟. – هل تستطيع روسيا التي ادخلت اسلحة متطورة الى الساحل السوري ان تكون بعيدة عن الحل القادم حيث لها مصالح متشابكة وعلاقات مع العرب واسرائيل وايران، وهي قادرة مع الولايات الاميركية وايران تطبيق اهم اجندة الاتفاق الدولي مع ايران، وهو اقناع اسرائيل بالجلوس مع الفلسطينيين، ومع دولة ايران لصياغة اتفاق سلام دائم،يعطي للفلسطينيين الامل في الحياة والاستقلال،ويعطي للاسرائيليين الامان المطلق من تهديدات ايران النووية وصواريخ حزب الله القريبه، ونزع ايدولوجيات العداء التاريخي لاسرائيل لبقايا منظومة دول الحرب الباردة العربية، وبكفالة روسية واميركية وايرانية. هل تسعى روسيا والولايات المتحدة وايران والسعودية،الى اقناع حركة الحوثيين بالجلوس مع اليمن الشرعي، وصياغه ميثاق وطني جديد يعترف كل طرف بالمكونات السكانية كلها طرفا في نظام الحكم السياسي،تلتزم بالدستور اليمني، والتنمية المستدامة لكل اليمنين. المشهد الافتراضي -لنفترض عكس ذلك، ان هناك مشروعا دوليا للتقسيم المذهبي في الاقليم(سايكس بيكو 2)،هدفه رسم خطوط الهيمنة الجديدة للقوى الكبرى. -كيف تستطيع روسيا وايران وبعض دول اوربا وبقايا النظام العربي ومعها الشعب العربي، ان تمنع ذلك التقسيم في غياب النظام العربي الجديد ووجود المشروع النهضوي العربي الجامع؟على افتراض انها جميعا، بما فيها دولة ايران، ضد اي مشروع لتقسيم الاقليم ودوله.كيف نعرف ذلك؟؟ فروسيا البلشفية عام 1917 كشفت بنود اتفاق سايكس بيكو السري،لتقسيم العالم العربي، هل تكشف روسيا العائدة الى الحرب الباردة عن مخطط غربي ما؟ -ابان الحرب العالمية الاولى والانتصار الكبير للحلفاء على الدولة العثمانية الاسلامية والمانيا وحلفائها، فشل الحلفاء في تقسيم تركيا تحت معاهدة سيفر 1920 واعطاء دولة ارمينيا و(الاتراك الاكراد)، والحلفاء، دويلات ومناطق انتداب، في هضبة الاناضول، بعد ان قاومهم الاتراك (المنهزمون) بقيادة اتاتورك وحقق في معاهدة لوزان 1924 الاستقلال ووحدة الاراضي التركية. -نتائج الحرب الاولى ادت الى ولادة فكرة قيام الدولة اليهودية (وعد بلفور،سايكس بيكو،مؤتمر فرساي1919،) وقامت الدولة اليهودية بعد ثلاثين سنة، عام 1947،ولكن نفس الحرب الاولى وقياساللنتائج،فشل الحلفاء في قيام دوله كرديه على البحر الاسود، وفشلت في تقسيم تركيا الى كانتونات. من خلال المقارنة الافتراضيه للاحداث الجارية في الاقليم مع دروس الماضي الاليم،هل للتقسيم الافتراضي المزعوم، علاقة بمشروع قيام الدولة القومية لليهود وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينين (انسانيا)؟ وهل يخدم تدمير سوريا والعراق واليمن وتهجير السكان مذهبيا وتحطيم مفهوم المواطنة الدستورية في البلد الواحد، هل يخدم خلق محاصصة جغرافية، مطلوب الاعتراف بها دوليا تمهيدا لخلق كيان سياسي جديد؟ هل الدول ستتبنى نظاما عربيا جديدا قائما على الاصلاح والدولة المدنية والمشاركة الشعبية،يؤكد شرعية الانظمة ومصداقيتها، للخروج من حالة التفرج والتلقي للاحداث والانفصال عاطفيا عن حال الامة المتدهور. من يقوم بالخطوة الاولى لفك الخصام القطري العربي عن دولنا المتجاورة، في غياب المؤسسات الشعبية وشبه الرسمية القادرة على التواصل عربيا، لخلق مبادرات انقاذ لباقي النظام العربي، هل سنقبل نحن العرب، مخرجات النظام العالمي الجديد الافتراضية،والذي بدأ يتكون، ونحن في غياب كامل عن دور ما للعرب،لا بل صعود دول وادوار اقليمية لكل من تركيا وايران. اين الدور المصري التاريخي لقيادة الامة،والدور السعودي الاسلامي الجامع للامة، والدور الاردني الفعال القادر باسم الامة، على المبادرة، في الدعوة الى قمه مصغرة لكشف حساب اولي لحال الامة، لحين شفاء ونهوض وتعافي دولنا العربية الاخرى، من ويلات الفتنة والحرب الداخلية والارهاب. والسؤال الملح,,,, متى،ومن يعلق الجرس؟ –

د.صالح ارشيدات

28/9/2015