المصري يجدد مقولته الشهيرة الدبلوماسية الأردنية تسير بين حبات المطر حتى لا تبتل مصالح وأوضاع الأردن .

المصري يجدد مقولته الشهيرة الدبلوماسية الأردنية تسير بين حبات المطر حتى لا تبتل مصالح وأوضاع الأردن .

طالب رئيس الوزراء الاسبق طاهر المصري  الحكومة بالامتناع عن توسيع كل الأنشطة مع إسرائيل ، وأن تقدم مبادرة بهذا المعنى لتتبناها القمة العربية وتطبق على الجميع . ليقود بعد القمة جلالة الملك عبد الله الثاني ،  نشاطاً سياسياً دبلوماسياً  على مستوى عربي رفيـــع

واضاف في محاضرة القاها مساء أمس في مقر جمعية الشؤون  الدولية بعنوان” قراءة في السياسات الراهنة حول القضية الفلسطينية “لا بد أن تعود القضية الفلسطينية إلى موقع الصدارة في العمل العربي وأن تصبح صبغطها فلسطينية عربية وأيضاً إسلامية . فالوضع الدولي يتطلب أن تأخذ هذا المسار الذي يقويها في ضوء إنحسار التأييد لإسرائيل في العالم

وتاليا نص المحاضرة:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيدات والسادة  ،

أريد في هذا المساء أن أتحدث إليكم حول حدث ممتد منذ عقود طويلة من الزمن ، وستبقى أثاره وتداعياته تتفاعل لسنوات قادمة . أقول بأن زيارة نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل إلى واشنطن الشهر الماضي ، وتفاعل الرئيس الأمريكي ترامب معه وإنحيازه إلى وجهة النظر الإسرائيلية ، هي من أهم وأخطر القضايا  التي يجب الانتباه إليها ، لأنها جاءت في أصعب الأوقات التي تواجه القضية الفلسطينية ، وتؤثر على الأردن تأثيراً مباشراً .  وكنت قـــد ذكـرت فــي مناسبات عديدة ، بأن هناك جهــداً مكثفاً  يهـــــدف إلــى ( تصفية ) وليس ( تسوية ) القضية الفلسطينية . ولأن هذا الأمر يصيب مباشرة حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه ، ولأن الأمن الوطنــي الأردنـــي سوف يتأثر بشكل مباشر بالتفاهمات الأمريكية الإسرائيلية ، فإنني أريد أن أعرض أمامكم بكل وضوح ومسؤولية وبكل تجرد وبدون تهويل ، معنى ونتائج تلك الزيارة من وجهة نظري وما أفرزته من تفاهمات ،  فلم أشعر بأن الحكومات أو وسائل الإعلام أو القوى الشعبية  أعطت هذه التطورات التاريخية ما تستحقه من اهتمام ، بل تعاملت مع الحدث بكل تحفظ وفي بعض الأحيان بلا مبالة  .

       لا يمكننا أن ننظر إلى تطور البرنامج والمشروع الصهيوني في فلسطين من خلال أحداث مبعثرة أو أحداث يومية في معزل عن النظرة والتخطيط والترابط بين عناصر هذا المشروع ، بل يجب أن ننظر إلى كيفية تطور المشروع الصهيوني في فلسطين ، وفي سياقه التاريخي حتى يومنا هذا . عندها سنفهم ما مدى أهمية وخطورة تفاهمات ترامب ونتنياهو الأخيرة .

سيداتي سادتي ،

            يقول الفيلسوف الفرنسي أميل زولا : فن السياسة أن ترى  الأمور قبل الآخرين .

       أًصبح قانون ( التسويات ) الإسرائيلي الذي يشرّع الاستيطان نافذاً بعد أن أقره الكنيست . وسياسياً ، أعترفت الولايات المتحدة بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ، وهي تبحث عن أسهل الطرق وأقلها ضرراً لنقل سفارتهــا مــن تل أبيب . واشترطت إسرائيل ، وأقرتها واشنطن على طلبها ، بأن على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة ، كشرط أساسي للتعامل مع الوفد الفلسطيني واستئناف المفاوضات واحلال السلام . وإنحاز ترامب إلى وجهة النظر والموقف الاسرائيلي بشكل كامل . ولم ينصف الفلسطينيين بأي موقف أو حق .

       إذا نظرنا بعمق إلى هذه التطورات المتزامنة ، فأننا نجد أن تتاليها لم يتأتى من فراغ ولا من قبيل الصدفة . فهذا ما خطط له المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل عام 1897 . وأصبح هذا المؤتمر هو نقطة الانطلاق لإنشاء ( وطن قومي لليهود ) في فلسطين. وأعُتبر القفزة الاولى في هذا الاتجاه . وفي عام 1948 آفاق العرب فجأه على قيام إسرائيل واعتراف العالم بها . وبعد 19 عاماً فقط  ، في عام 1967 آفاق العرب مرة أخرى على احتلال إسرائيل الضفة الغربية ومناطق شاسعة من مصر ( سيناء) والجولان ،وأصبحتكلفلسطينتحتالاحتلالوالسيطرةالاسرائيلية .ما فيها القدس وأعلنوها عاصمة موحدة لإسرائيل . وأنتظر العرب 50 عاماً لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2422 الذي ينص على عدم جواز احتلال الأرض بـــالقوة . ولا زالوا ينتظرون . واليوم في شباط 2017 حققت إسرائيل قفزتها الرابعة بزيارة نتنياهو إلى واشنطن واتفاقه مع ترامب  على قضايا أساسية تخص النزاع العربي الإسرائيلي . ولا يمكن أن أعتبر ذلك التطور إلا أنه في سياق ما خطط له مؤتمر بازل .

       وارجو أن لا يقولن أحد أن ترامب أبقى الباب مفتوحاً على حلول أخرى أو بديله . فحديثه ليس مبطناً ، والتداعيات والمعاني المبطنة واضحة تماماً ، خاصة عندما أقر بيهودية الدولة ، وترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للاستيطان . وعملياً وافق على ألغاء  حل الدولتين . أما حل الدولة الواحدة ، فشرطه أن تكون الدولة يهودية .

السيدات والسادة ،

       بعد أن تصدر المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها النهائي حول القانون ، ستبدأ الحكومة الإسرائيلية بتطبيق قانون (  التسوية ) الذي يستهدف ضم مساحات من أراضي الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية ، بما فيها الشريــط الحــدودي على طول وادي الأردن وبعمق 5 كم على الاقل . كما ستضم تجمعات المستوطنات المتداخلة مع الخط الأخضر . فقانون التسويات تسري أحكامه بأثر رجعي . ومهدت إسرائيل لهذه الخطوة بأن قامت  قبل سنوات بضم تجمع مستوطنات أرييل الواقعة داخل الخط الأخضر وهي عبارة عن ( مارس ) داخل الضفة الغربية يقع بين نابلس وقلقيلة ومتصلة مع أراضي 1948 وأعلنتها بلدية إسرائيلية  . وفي بعض المستوطنات الأخرى ، فتحت إسرائيل فروعاً لجامعات وكليات أو معاهد إسرائيلية . إضافة إلى ذلك ، فإن إسرائيل تعتبر أن القدس الموحدة هي تحت سيادتها حيث ضمتها على دفعات منذ عام 1967. ومعلوم للجميع أن إسرائيل أعلنت عن ضمها للجولان ومارست سيادتها عليه  وبدأت ببناء استثمارات وبنية تحتية شاملة . إذن مبدأ ضم الأراضي ووضعها تحت ما يسمى السيادة الإسرائيلية أمر مارسته إسرائيل منذ عام 1967 . وازيد لأقول أن عدد المستوطينين اليوم في الضفة الغربية والقدس يبلغ حوال 800 الف مستوطن .

       بهذا تكون إسرائيل قد وضعت كامل الضفة الغربية بين يدي كماشة حدودها : مع اسرائيل من الغرب وبين المستوطنات في وادي الاردن من الشرق .

السيدات والسادة ،

       أن نظرة متعمقة لما قامت به إسرائيل منذ عام 1948 وربما قبل ذلك ، نجد ان البرنامج الصهيوني قد سار في تلك المسارات السياسية والعدوانية التي أشرت إليها في بداية كلمتي .

       لا أعرف كيف ستتصرف منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنيـــة الفلسطينية  إزاء هذا المنعطف التاريخي فــي القضية الفلسطينية ، ولكنني أعرف ما هي تداعيات هذا الوضع على الأمن الوطني الاردني . فالتحدي الخارجي لنا في هذا الوقت ناتج عن زيارة نتنياهو إلى واشنطن والتفاهمــات التي تمت بينهما . أما التحدي الداخلي فعنوانه التحدي المعيشي .

  • أعــرف أن دولا عربيــة أساسية دُمرت مجتمعاتها وشرد مواطنوها ، ولن تتمكن من الوقوف على رجليها إلا بعد عقود . وأعرف أن التشرذم العربي لم ينتهي بعد ، فالمنطقة العربية هي الآن في حالة سيولة جغرافية .
  • وأعرف أن القضية الفلسطينية أصبحت واقعياً في آخر اهتمامات المجتمع الدولي والعربي . ويبدو أن إعادة تقسيم الشرق العربي والعراق أمر يدور في أذهان الكبار الإقليميين والدوليين . وقد يكون في تلك السيولة تعويضـاً لبعض الدول مقابلما فقدته نتيجة للتفاهمات الإمريكية الإسرائيلية .
  • وأعرف أن إسرائيل تطلق بالونات اختبار حول إقامة الدولة الفلسطينية خارج أراضي وحدود فلسطين التاريخية . وقد ازدادت وتيرة هذه التصريحات مؤخراً بعد النجاح الذي حققته زيارة نتنياهو إلى واشنطن . وارتفع المستوى السياسي للذين يصرحون بذلك . وعلينا أن نعرف أن أحد أهم مقاصد وأهداف المشروع الصهيوني أنهم يريدون الأرض بدون السكان .
  • وأعرف أن الأردن لا يستطيع إذا بقي وحده في الساحة الفلسطينية أن يقاوم كل هذه الظروف والتطورات وخاصةً أن كل ما ذكرته أعلاه يتزامن مع وضع اقتصادي ومالي في الأردن هو الأقسى والأصعب في تاريخه .الوقوف في وجه هذا الوضع لا يستطيع الأردن أن يتحمل مسؤوليته ، وهناك اعتقاد شائع بأن هذه الأزمة أو الأزمات ستجعل من خيارات الأردن في إيقاف أو التخفيف من غلواء هذا الوضع ستكون محدودة .
  • وأعرف أن القيادة الأردنية تعرف كل هذه الظروف . لذلك فهي تحاول أن تسلك سياسة متوازنة بين كافة الفرقاء في المنطقة ، لعل هذه التحالفات تساعد في حفظ واستمرار الاستقرار الداخلي . وقد نجحنا في ذلك بالرغم من كثرة الفرقاء ، وتناقض سياساتهم ومصالحهم . وكما قلت سابقاً أن الدبلوماسية الأردنية تسير بين حبات المطر حتى لا تبتل مصالح وأوضاع الأردن .

في المقابل ،إسرائيل تعرف أن هناك سلاحاً فلسطينياً عربياً مؤثراً تخشاه وتراقبه هو سلاح الديموغرافيا . وتعرف أن الفلسطينيين بيدهم سلاحاً آخر أقوى من سلاح الديموغرافيا هو صمودهم على الأرض ، وتمسكهم بهويتهم وإنتمائهم واستعدادهم للتضحية في سبيل الأرض والوطن . ولكن إسرائيل تعرف أيضاً أن هناك عرباً  ، رسميين وأهليين ومراكز قوى تقول أن إيران هي الخطر الأول على العرب وليس إسرائيل . وبالتالي فأن الجهد العربي يجب أن يتركز على درء الخطر الفارسي الذي يستهدف بالدرجة الإولى دول الخليج ويريد أن يمتد ليشمل كل الشيعة .

       إسرائيل خططت وطبقت بنود التوسع التي وضعها حكماء صهيون في فلسطين ، وهم يريدون الأرض وليس السكان. وبدأ التخطيط العملي للتعامل مع هذا الأمر وسوف تعطي إٍسرائيل الأولية للتعامل مع سكان الضفة الغربية. وها هي تنشأ القوانين لتبدأ بقضم الأراضي المحتلة عام 1967 وضمها إلى سيادتها تحت مسميات واعلانـــات وسياســـات متعددة الأساليب والأوجه وتحـــت شعــار ( يهودية الدولة ) .     بمعنى أن إٍسرائيل لم تعد تتصرف على أساس أن الأراضي المحتلة هي أراضي محتلة ، كما كانت تقول سابقاً بل هي أراضي لإسرائيل الحق في ضمها لسيادتها .

       فكرت ملياً في الوصف أو الكلمة الأمثل لوصف الموقف الأردني ودوره في كل ذلك . هل أتحـــدث عن ما يجب أن يقوم به الأردن لمحاربة هذا المشروع ، أم أتحدث عما يستطيع الأردن تقديمه أو القيام به لحماية آمنه الوطني من هذا البرنامج الخبيث . وهناك فرق بين ( يجب ) و( يستطيع ) . فاخترت التعبير الأكثر واقعية وهو ( يستطيع ) .

  • أن تعلن الحكومة موقفها وتسمح ، بل تشجع كل الفعاليات الرسمية والأهلية والمجتمعية التعبير عن رأيها بكل قوة وصراحة رفضها لكل تلك الإجراءات والسياسات . فالدفاع عن أمن البلد وعن هويته واجب على كل مواطن . وليس حصراً بجبهة ما .
  • ان تمتنع الحكومة عن توسيع كل الأنشطة مع إسرائيل ، وأن تقدم مبادرة بهذا المعنى لتتبناها القمة العربية وتطبق على الجميع . ليقود بعد القمة جلالة الملك عبد الله الثاني ، نشاطاً سياسياً دبلوماسياً  على مستوى عربي رفيـــع وأن يتركز هذا الجهد على كافة المجموعات الدولية . لشرح الموقف العربي والاخطار التي تترتب على القضية الفلسطينية والأمن الوطني الأردني .
  • لا بد أن تعود القضية الفلسطينية إلى موقع الصدارة في العمل العربي وأن تصبح صبغطها فلسطينية عربية وأيضاً إسلامية . فالوضع الدولي يتطلب أن تأخذ هذا المسار الذي يقويها في ضوء إنحسار التأييد لإسرائيل في العالم .
  • من المناسب جداً أن نبذل جهداً لإبقاء منظمة التحرير الفلسطنية هي المظلة المتماسكة والتي تمثل فلسطيني الشتات والجامعة لكل فلسطيني الشتات والمحافظة على حقوقهم . وفي نفس السياق ، يجب أن نبذل جهداً في توحيد الصف الفلسطيني الممزق وإجراء المصالحات اللازمة .

هذان الأمران ليسا من صميم ( الواجب ) الاردني وحده ، ولكنني رأيت أن مناسبة إنعقاد القمة العربية في الأردن بعد أربعة أسابيع هي مناسبة ممتازة لكي يقوم جلالة الملك عبد الله الثاني ، رئيس القمة بتقديم المبادرات المناسبة بهذا الشأن وقيادة الدبلوماسية العربية للبدء بهذا المجهود .

   إن تمتين وتحصين الجبهة الداخلية هو مبدأ ومفهوم وسياسة وخطوة أساسية في الوقوف بقوة في مواجهة هذا الخطر الإسرائيلي . وكعادة إٍسرائيل ، فإنها سوف تفتش على ثغرات في الساحة الأردنية لتنفذ منها إلى إثارة الشكوك والشغب . وبناء دولة المواطنة هو من الخطوات الإساسية في منع التلاعب من قبلها بالامن الوطني وفي حماية النسيج الاجتماعي .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته