المجالي: منصب رئيس الوزراء فقد هيبته

المجالي: منصب رئيس الوزراء فقد هيبته

حينما نغوص بذاكرة الوطن، علينا أن نتسلح بكل أدوات الغوص، وبكل ما هو متاح لنحفر في صخر الأحداث، ونتجول بين صفحات كتب التاريخ، ونسبر غور شخصيات كان لها الأثر الواضح والتأثير الجلي بمسيرة وطن واجه الكثير من الظروف والتقلبات على مدى عقود عديدة مضت.
في ذاكرة الوطن الكثير مما يمكن قوله، والحديث حوله، من السياسي إلى الاقتصادي، ولا بأس من الثقافي وكذلك الاجتماعي، فالترابط بينها لا انفصام له، وتاريخ الأردن الحديث حافل بالأحداث التي ربما باتت في غياهب النسيان، لدى البعض، ولكنها أحداث لا تموت ولا تفنى، ولا بد من العودة إليها، لأن في الإعادة مزيدا من الإفادة واستخلاص العبر والدروس، وجدير بنا الوقوف على ذلك لندرك أن هذا الوطن ما كان يوما إلا مع أمته في كل الظروف، وخاصة الحالكة منها.
محطات من الذاكرة السياسية الأردنية.. نغوص في ذاكرة شخصيات سياسية ونستعرض أحداثا وكواليس، ونعمل على استكشاف ما كان مستورا خلف حجاب، هو تاريخنا الذي صنعناه بأيدينا، وربما شاركت الظروف في صنعه أيضا، ونحن في الأردن لا يمكن لنا أن نكون خارج التاريخ، أو متفرجين فقط، فكم من الرجال في هذا الوطن صنعوا تاريخا وأمجادا، وباتوا منارات مضيئة في عالم يتسع عاما بعد آخر.
هي سلسلة حوارات تسعى للابتعاد عن التقليدية، نحاول أن نقدم للقارئ مادة غنية باستضافة العديد من الشخصيات الأردنية التي تولت مواقع المسؤولية، وخاصة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
في هذه المحطات، ومع الشخصيات التي سنستضيف، سنحاول إزالة الغبار عن “ما لم يعلن” بقدر جدنا واجتهادنا.. والله الموفق.

قد تحتاج لساعات طويلة من الحوار مع المهندس عبد الهادي المجالي رئيس مجلس النواب الأسبق، والعسكري العريق والحزبي الذي لم يتعب رغم تضاريس الزمن التي رسمت على ملامحه، فما زال مصرا على المضي قدما في هذا الطريق الشائك رغم ما واجهه (أبو سهل ) من عقبات وصعوبات طيلة سنوات عديدة من هذا العمل الذي أعتقد بأنه أضناه.
الحوار معه يأخذك لفروع وتشعبات عديدة، ولكنها جميعا تصب ببحيرة واحدة، بحيرة الخوف على هذا الوطن، الذي يتصاعد يوما بعد آخر نتيجة للظروف والتقلبات، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي، وكذلك الدولي.
قد يكون المجالي شخصية خلافية وإشكالية، له الكثير من الأصدقاء، وربما في الجانب الآخر بعض الذين يناصبونه العداء، ولكنه من المترفعين عن ذلك، فالسياسي يسير بحقل من الألغام، وبما أنه مارس العسكرية لعقود عديدة، فهو يدرك مثل هذه الحقول ، ولديه الخبرة والممارسة التي تؤهله للخروج منها سالما.
قيل الكثير بحق الرجل؛ إيجابا وسلبا، وعندما يتحول لشخصية عامة، فهو هنا عرضة لكل سؤال وتساؤل، وسيكون حتما بمواجهة سهام النقد دون تجريح أو إساءة.
ولكن بالمحصلة، يبقى عبد الهادي المجالي رجلا سياسيا من الطراز الرفيع، وتاريخا حافلا لأكثر من نصف قرن، وربما يجدر بنا تصنيفه ضمن القادة السياسيين، ومن الصعب أن تصنف مسؤولا وتضعه بهذه الخانة، فهذا المصطلح (القائد السياسي) نادر في الأردن، لأن له مواصفات خاصة قد لا تنطبق على الكثير من أصحاب الذوات، أو ممن صعدوا لأعلى المواقع بالدولة.. إنها كاريزما خاصة لا تجدها إلا بفئة قليلة، قد لا تتجاوز أصابع اليدين فقط.
نحاور أبا سهل بصراحة وشفافية، لا مجال للمجاملة هنا، وهو يفتح قلبه لكل مايدور بأذهاننا من أسئلة، لعلنا نصل لبعض الإجابات التي نبحث عنها.

* كنت من أوائل المهندسين بالجيش العربي، كيف كان دخولك، هل كانت رغبة منك، أم أن مجالات العمل كانت محدودة ذلك الوقت؟
– تخرجت من الجامعة وكنت من أوائل الذين نالوا شهادة بالهندسة. عملت فورا بوزارة الأشغال، وتسلمت مهام مدير أشغال معان، نظرا لعدم وجود مهندسين ذلك الوقت، وكان بالمنطقة وحدة عسكرية (لواء)، وكنا نقوم أحيانا بمساعدتهم ببعض الأمور، ودعاني وقتها رئيس الأركان صادق الشرع لتناول طعام العشاء، وفوجئت به يقدم عرضا لي لدخول القوات المسلحة، ترددت بقبول ذلك، وأمام إلحاحه اشترطت رتبة نقيب، فاستغرب الشرع ذلك، وأخيرا وافق، وهكذا انتسبت للجيش العربي.
كان ذلك العام 1958، وبعد نحو عشر سنوات وصلت لمنصب قائد سلاح الهندسة الملكي في آب (اغسطس) 1967 وكنت أحمل رتبة عقيد.

*عندما نقول .. سلاح الهندسة، فهذا بالتأكيد قريب من دراستك، كيف وجدت نفسك بهذا الموقع ؟
-أحببت العسكرية كعلم، والأصل بالمهندس هو الإبداع، وكنت أطالب دائما بضرورة وجود دورات تأهيلية، حتى أنني كنت أرغب بالمشاركة بمثل هذه الدورات، وأهمها كانت بإرسالي لكلية القيادة والأركان في الولايات المتحدة العام 1971، ثم عدت بعدها لسلاح الهندسة أوائل 1973، بعد ذلك كنت أول عربي يشارك بدورة لكلية الدراسات الدفاعية ببريطانيا، والملك حسين، رحمه الله، هو الذي أمر بإرسالي إليها وتخرجت منها نهاية 1973.

* شاركت بمؤتمر جنيف للسلام في الشرق الأوسط 1974 ضمن الوفد الأردني، كيف تصف الأجواء حينذاك؟
– المؤتمر جاء بعد انتهاء حرب تشرين 1973، وشاركت فيه عدة دول عربية منها الأردن، وكان الوفد الأردني برئاسة زيد الرفاعي رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وكنت من ضمنه، وقد استمر عمل المؤتمر مدة يومين وكان مصيره الفشل.

* بدأت هنا مرحلة إعادة هيكلة القوات المسلحة، وكان لكم دور بذلك حتى وصلتم لرئاسة الأركان.. أليس كذلك؟
– كانت هناك نظرة مختلفة تجاه القوات المسلحة، وكان الرأي بوجوب إعادة الهيكلة للجيش، وساهمت بذلك بصورة ملحوظة، وبعدها تم تعييني مساعدا لرئيس هيئة الأركان للبحث والتطوير والتنظيم، ثم مساعدا للعمليات، وفي العام 1979 حققت طموحي بالوصول إلى رئاسة هيئة الأركان.

* كيف وصلت لموقع مدير الأمن العام، وكل سنوات خدمتك بالقوات المسلحة؟
– ذهبت سفيرا إلى واشنطن لمدة العامين ونصف العام، بعدها طلبت لأكون سفيرا بطوكيو ورفضت ذلك، وقدمت استقالتي، وتقاعدت وجلست بالبيت، ثم بدأت التفكير بإنشاء عمل خاص، من خلال العمل على كيفية استغلال الطاقات العسكرية لخدمة العالم العربي، كنت فعلا أريد أن أجمع كل ما تعلمته في العسكرية ومن خلال تخصصي لتقديم ما هو جديد من خلال عمل خاص لي بعيدا عن الوظيفة العامة، فقمت بإنشاء شركة الشرق الأوسط للدفاع والحماية، والشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية، وكنت مرتاحا بعملي مع بعض الدول العربية، وخاصة بين العامين 83 إلى 1985.
في العام 1985 تم الاتصال بي لتسلم موقع مدير الأمن العام، وكان هناك إصرار من الملك حسين على قبول هذا الموقع، فقرار تعييني كان من الملك وليس من الحكومة كما هو متعارف عليه، وفي الأمن العام حاولت العمل على تغيير وجه هذا الجهاز نحو الأفضل، ونجحنا والحمد لله في ذلك.

* العام 1989 ونتيجة للظروف الاقتصادية السيئة آنذاك، ثم استقالة الحكومة، وما جرى من أحداث، عادت الحياة الديمقراطية بعد عقود من الأحكام العرفية، كيف لك الحديث حول ذلك؟
– من خلال عملي بالأمن العام، عرفت الشارع جيدا، كانت هناك تنظيمات وأحزاب تعمل تحت الأرض في ظل الأحكام العرفية، وتكونت لدي قناعة ذلك الوقت بضرورة تغيير الوضع السياسي القائم، قناعة ترافقت مع ظروف اقتصادية سيئة وانخفاض قيمة الدينار، ومظاهر الاحتجاج بأكثر من مكان، وهنا تدخل الملك حسين فأقال الحكومة، وحصل الانفراج الديمقراطي بإلغاء الأحكام العرفية .
الملك حسين في ذلك الوقت وصل لنتيجة مفادها أنه بعد كل هذه السنوات لا بد من الاعتذار للناس على هذه المدة الطويلة والتي شهدت عملية بناء الأردن، حيث كان الاعتقاد السائد بأن البناء والإعمار يحتاج إلى الحزم في الكثير من الأحيان، والعمل على وقف تغول السلطة التنفيذية، التي مارست هذا التغول الذي مازال موجودا في العديد من الأوجه، إضافة لقناعة الملك حينها أن عددا قليلا من اللاعبين السياسيين انفردوا بالقرارات التي أدت لنتائج سلبية.

*مع عودة الحياة الديمقراطية، العسكري السابق ومدير الأمن الأسبق يدخل الديمقراطية من بابها الواسع، ويعلن تشكيل حزب سياسي (العهد) ما شكل مفاجأة للكثيرين، هل كانت الفكرة وليدة اللحظة أم ماذا؟
– حتى وأنا بالأمن العام كانت القناعة موجودة بضرورة تغيير الوضع السياسي القائم وإشراك الناس بصنع القرار السياسي، وسيطر على ذهني الكيفية التي يستمر فيها النظام السياسي، فبدون مشاركة الشعب بصنع قراره لا يمكن للنظام السياسي الاستمرار، فالشعب هو الحامي الوحيد له، والعمل الجماعي هو الأنجع، وخاصة بالشأن السياسي، فالفردية قاتلة ولا تؤدي لأي منافع أو مكتسبات.
لقد كانت فرصة ذهبية للعمل الحزبي وتنظيم الناس، وهاهي الدولة تستجيب لمطالب الشعب، وصدر قانون الاحزاب 1992 ، وقبل صدوره كنا أعلنا تأسيس حزب العهد لإيماننا الشديد والراسخ بالعمل الجماعي من باب الحزبية.

*كيف تقرأ الواقع الحزبي الحالي، وهل هناك من يعيق هذه المسيرة؟
–  الواقع الحزبي لا يسر أبدا، بعد أكثر من 25 عاما على انطلاقته، هناك أصحاب نفوذ وأدوات لهم مصالح بعدم نجاح الأحزاب، والدولة نفسها تساهم بضعفها، نحن اليوم بحاجة لتعديلات جذرية على قانوني الأحزاب والانتخابات، فلماذا لا يتم صياغة قانون للانتخابات بحيث تكون الأحزاب هي آلية الوصول للمجلس النيابي كغيرنا من الدول الديمقراطية أو على الأقل نصف المقاعد؟ الحزبية على تنوعها يجب أن تكون عصب البرلمان. كما أن لدينا اليوم نحو 50  حزبا وعددا كبيرا تحت التأسيس، والكثير منها متشابه بالأفكار والمبادئ، فالمطلوب الآن عدم ترخيص أي حزب جديد تتشابه أفكاره مع حزب قائم، فلا بد من التنوع، وعلى صاحب القرار أو ممن يعملون على صياغة هذه القوانين أن يدركوا تماما بأن هناك تنوع فكري بالشارع الأردني، فهناك الإسلامي والاشتراكي واليساري والوسطي وغيرهم، نريد قانونا للانتخابات يكون سياسيا بامتياز، مع الدعوة لانتخابات مبكرة .
أيضا الأمر بات ملحا لميثاق وطني جديد ملزم، وبالإمكان الاستعانة بالأوراق النقاشية الملكية التي تحتوي أفكارا مذهلة.

* هل ترى بأن المواطن أصبح مشوشا اليوم في ظل هذا العدد الكبير من الأحزاب؟
– بالطبع، المواطن مشوش جدا. عندما يطلع على برامج الأحزاب المختلفة، نحن اليوم بحاجة لعدد محدود من الأحزاب من (3 إلى 4) أحزاب فقط تمتاز بالقوة والقدرة على الوصول للجماهير حتى تتمكن من إيصال مرشحيها للسلطة التشريعية وتطبق برامجها، أما إذا بقينا على هذه الحال فسوف يزداد تشويش المواطن الذي فقد فعلا الرغبة بالعمل الحزبي، ولم يعد يكترث بالأحزاب اصلا.

* نعود قليلا للوراء، حيث تم دمج تسعة أحزاب بالحزب الوطني الدستوري بمنتصف تسعينيات القرن الماضي، هل كان ذلك رغبة ملكية حقا؟ وماذا جرى للحزب بعد ذلك. حيث كان الجميع يعتقد أننا أمام حزب كبير ستكون له السيطرة على المجلس النيابي مستقبلا؟
– نعم، كانت هناك رغبة من الملك حسين بدمج هذه الأحزاب ضمن حزب واحد، تنفيذا لمقولته الشهيرة (الزحام يعيق الحركة)، واعتقدنا أننا مقبلون على حالة حزبية حقيقية، ولكن للأسف كانت هناك رغبات عند البعض بألا يكبر الحزب، وهناك حالة ذهنية لدى آخرين يمكن اعتبارها غريبة، وتتمثل بعدم نجاحه بالوصول لموقع قيادي داخل الحزب ، ما يؤدي لاستقالته، فالأردني يعتقد أنه إذا فشل مثلا بعمل سياسي ما فعليه المغادرة، لانه غير مقبول شعبيا –حسب اعتقاده – وهذا بالطبع خطأ فادح ، لأن العمل السياسي يحتمل النجاح والفشل، ربما تفشل اليوم وتنجح غدا، للأسف نحن نفتقد للثقافة الحزبية، والعصي في دواليب العمل الحزبي ما زالت موجودة.

* قيل كثيرا بأنكم سعيتم لمنصب رئيس الوزراء، وأن ذلك كان يمثل أقصى طموح لديكم، هل هذا صحيح معالي أبو سهل؟
– لم أفكر يوما بهذا المنصب، ويجدر القول هنا بأن منصب رئيس مجلس النواب أقوى من موقع رئيس الوزراء، فأنت منتخب عن طريق ممثلي الشعب، وتحاسب الحكومة وتحجب الثقة عنها، فلماذا أسعى لمثل هذا الموقع وأنا وصلت لرئاسة مجلس النواب عدة مرات؟ ودعني أقولها بصراحة، إن منصب رئيس الحكومة فقد هيبته بالسنوات الأخيرة وتحول إلى مجرد كبير للموظفين ليس إلا.
المواطنون وصلوا ايضا لمرحلة متقدمة من الملل واليأس من لف الحكومات ودورانها وعجزها وارتباكها. فنحن اليوم فعلا نعيش حالة من التخبط نتيجة للسياسات الحكومية العاجزة عن إعطاء إجابات حاسمة حول مشاكل الوطن وقضاياه، وعلى الحكومات أن تتخلص من التذاكي والتلاعب اللغوي والاصطلاحي والـتأجيل والتسويف والمماطلة.

* كنت رئيسا لمجلس النواب ونائبا لسنوات طويلة، هل كنت تلاحظ أن هناك ضغوطا يتعرض لها بعض النواب من جهات معينة للتأثير عليهم فيما يتعلق بمشاريع القوانين أو أمور أخرى بغية تمريرها أو رفضها؟
– بالطبع، الضغوط على النواب موجودة، والحكومات تحاول العمل على إيجاد (لوبي) لها داخل المجلس، وأنا كنت أقول للحكومة.. إذا أردتم أي شيء فتحدثوا معي مباشرة، ونقوم بالتنسيق سويا، حتى مشاريع القوانين، فيفترض على الحكومة وقبل صياغتها التنسيق مع المجلس، وهذا لم يحدث أبدا باستثناء قانون المالكين والمستأجرين.

* هل تحاول الحكومات شراء ذمم بعض النواب أو استمالتهم بأموال تمنح لهم تحت بند مساعدات لقواعدهم الانتخابية وما إلى ذلك؟
– الحكومات دفعت أموالا كثيرة للعديد من النواب، وللأسف بعض الحكومات اتبعت أسلوبا خاطئا بالتعامل مع النواب وهو.. إن لم تكن مواليا فلا يمكن الاستجابة لأي مطلب لك! والمؤسف أيضا أن بعض هذه الحكومات لا تؤمن بوجود معارضة داخل المجلس، ولا تعامل النواب بسواسية، فالمعاملة مع النائب حسب موقفه من الحكومة، ولذلك يجب العمل والسعي للوصول إلى برلمان حزبي، حتى تتحول المطالب الفردية إلى جماعية، ويعطى الناس حقوقهم دون محاباة أو تمييز .

* حسب الدستور، النائب يمتلك صلاحيات واسعة جدا، هو لا يعرف أهميتها، فتراه أحيانا يستجدي هذا الوزير أو ذاك المسؤول لخدمة فردية، ألا ترى أن بعض النواب أساؤوا لهذا الموقع من خلال تصرفاتهم؟
– هذا صحيح، فالنائب صلاحياته كبيرة جدا، هو أهم من الوزير، هو الذي يمنح الثقة ويحجبها، وهو الذي يشرع ويراقب، ونأمل أن نخرج من هذا الوضع الذي أرى أحيانا بأن النائب مجبر عليه، نتيجة للضغوط التي يتعرض لها من قبل قاعدته الانتخابية، لذلك أصر دائما على ضرورة صياغة قانون انتخاب سياسي بامتياز يمنح الأحزاب فرصتها للوصول للسلطة التشريعية، حينها لن تجد مثل هذه الأمور أبدا.

* فيما يتعلق بموضوع اللامركزية، هذا التخبط والتهميش واللامبالاة، هل هذه هي اللامركزية التي كنا ننشدها ونطمح إليها؟
– في السابق تم تشكيل لجنة ملكية لصياغة مشروع قانون اللامركزية برئاسة زيد الرفاعي، وكنت عضوا فيها، وما قدمناه لم ينفذ أبدا، نحن بعيدون كل البعد عن اللامركزية التي كنا نطمح إليها، كنا نريد مجلسا منتخبا بالمحافظة من خلال انتخابات مباشرة ومشاركة الجهات الأخرى المنتخبة، كالنقابات، بحيث يكون مجلس المحافظة ممثلا لكل فئات المجتمع كالأطباء والمهندسين والمحامين وغيرهم.
كنا نرغب أن تمثل بالمجلس كل شرائح المجتمع، وألا تكون مرتبطة مع المحافظ، الذي هو أصلا ممثل للحكومة، لأن الرغبة كانت باتجاه رؤية مجلس مصغر لمجلس النواب بكل محافظة، ينتخب رئيسه ومكتبه التنفيذي ولجانه المختلفة، بحيث يخف الضغط على مجلس النواب المركزي الذي وجد أصلا للتشريع والرقابة وليس لحل القضايا الفردية للناس.
نطالب اليوم بتغيير النهج، وإلغاء وزارة الداخلية والاستعاضة عنها بوزارة للحكم المحلي ووزارة أخرى للأمن الوطني ترتبط بها الأجهزة الأمنية كالأمن العام والدرك والدفاع المدني.

* الأردن سيخوض مفاوضات أو مشاورات مع الجانب الإسرائيلي بخصوص الباقورة والغمر، ماذا يعني ذلك؟، هل ترى أن الأردن سيخوض مفاوضات صعبة وربما يتعرض لضغوط ، وهل هو قادر على الخروج منها بسلام؟
-لا شك، المفاوضات لن تكون سهلة، ولكن على الجانب الأردني أن يزود فريق المفاوضين بخبراء بعدة مجالات، وبيننا وبينهم معاهدة، فإما أن يتم تنفيذ المعاهدة بشكل صحيح وكامل أو يعاد النظر فيها إذا كان هناك تحايل إسرائيلي، وهؤلاء سيعملون جاهدين على عدم الموافقة فيما يتعلق بالباقورة والغمر مقابل إغراءات تقدم للأردن، ولكن على مفاوضينا الإصرار على التطبيق والتنفيذ والانسحاب منهما.
أما فيما يتعلق بتهديدات إسرائيل بوقف المياه، فمن السهل علينا تهديدهم بموضوع الغاز، ولذلك وجود الخبراء مهم جدا بالمشاورات.

* اقتصاديا .. إلى أين نحن ذاهبون؟
– الأردن غني جدا، والإدارة الاقتصادية فاشلة، هل المشكلة هي فقط إقرار قانون لضريبة الدخل لتوفير مبلغ 280 مليون دينار؟ حسنا، فلتقم الحكومة بتخفيض نفقاتها بما لا يتجاوز 5 بالمائة من موازنتها، وحينها سيتم توفير مبلغ يزيد على الأربعمائة مليون دينار، وتخفيض النفقات أمر مقبول جدا من قبل صندوق النقد الدولي، فالدين بالأردن وصل لمراحل خطيرة جدا.
وهناك أمر آخر وهو الاستثمار، والعقبات الكبيرة أمام المستثمرين، لماذا لا تبحث الحكومة جديا بذلك؟ لماذا لا تعمل على إيجاد الحلول وإزالة المعيقات؟ لماذا لا يعود الاهتمام بالزراعة؟ فالأغوار أكبر سلة غذائية، والمزارع وصل مرحلة كارثية، والمديونية عليهم بعشرات الملايين، لماذا لا تقوم الحكومة بإيجاد الحلول لهم وهي كثيرة ؟ هناك فرصة لإنشاء شركة حكومية لتسويق المنتوجات الزراعية والقيام باستئجار طائرات نقل، حينها يقوم المزارع بالزراعة فقط، والحكومة تعمل على تصريف المنتجات خارج الوطن وبالتالي يستمر الإنتاج ونقوم بإنقاذ المزارع.

* ثمة هرولة من بعض الدول العربية باتجاه التطبيع مع الدولة العبرية، وهي دول لا تقيم علاقات معها، ماذا يجري بالضبط؟  ولماذا وصلنا إلى هذا الحال، هل نحن فعلا بمرحلة تطبيق “صفقة القرن”؟
– كل دولة عربية تحاول دراسة الأخطار المحدقة بها دون التشاور مع الأشقاء، وتعمل على إقامة تحالفات حفاظا على امنها واستقرارها، دون النظر للمحيط، بدل انتهاج مبدأ المصارحة والشفافية بين الأشقاء والعمل على حماية بعضنا البعض، هذه الدول تلجأ للتحالف مع الولايات المتحدة ودول أوروبية، وفي واقع الأمر فإن إسرائيل هي المحرك لهذه الدول.
لذلك، وللأسف الشديد، يذهبون لإسرائيل، التي ما زالت محتلة للأراضي إضافة لوجود الكثير من القضايا المعلقة معها، لذلك تخطئ هذه الدول بهرولتها تجاه اسرائيل التي يجب الاستعاضة عنها بإيجاد حلول وتفاهمات عربية عربية لحماية أنفسنا من أي أخطار قادمة.

* كيف تقرأ العلاقة الأردنية الفلسطينية؟ ألا تلاحظ فتورا أحيانا، خاصة بظل الضغوط التي تتعرض لها القيادة الفلسطينية  لتقديم مزيد من التنازلات؟
– أحيانا نلاحظ مثل هذا الفتور بالعلاقة، لأن بعض العرب يريدون استغلال القضية لمصالحهم، وفي المقابل موقف الأردن ثابت ولن يتغير، فهو الداعم الحقيقي للشعب الفلسطيني، وعلينا الانتباه لما يجري، فلا حديث اليوم عن الضفة الغربية، الحديث فقط عن قطاع غزة، وهذا أمر خطير جدا، ولا بد من الاستعداد لما هو قادم.