المجالي :الوطن، أحوج ما يكون إلى وحدةِ الصفِ، ووحدةِ الموقفِ

المجالي :الوطن، أحوج ما يكون إلى وحدةِ الصفِ، ووحدةِ الموقفِ

أكد المهندس عبد الهادي المجالي أن فهمِ الواقع الوطني وتجلياته الأساس الذي سيشكل انطلاقة مختلفة، لتشاركيّةٍ أكثر إيجابيّة، وشرطْ ذلك أن نكونَ جميعاً، حكومات وأحزاب وقوى اجتماعيّة، لدينا الاستعداد لتجاوزِ حالةِ الإنكار، وأن نعترفَ بحقيقةِ الواقع، ومن ثم نضع الحلولَ المناسبةَ لكلِ المشكلاتٍ، صغيره وكبيرة.

وأضاف في كلمة إفتتح بها أعمال المؤتمر الوطني الاول للقيادات العشائرية والحزبية والرموز الوطنية الذي عقد صباح اليوم في منطقة الصريح بدعوة من حزب الانصار الاردني اليوم، المطلوب من المكوناتِ الحزبيّةِ أن تعيدَ إنتاج واقعها وأخذ مسارها، بحيويةٍ وتأثيرٍ، لعلها تستطيع أن تلفتَ نظر الحكومات، وتُجبرها سياسيّاً، على أن تعيدَ النظرَ في علاقاتِها ونظرتِها للحزبية،
وتاليا نص الكلمة :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
ليس ترفاً، أو يدخل في باب التوهم، أن وطننا أحوجُ ما يكون في الظروفِ الإقليميةِ الراهنةِ إلى جبهةٍ داخليةٍ متينةٍ وصلبة، وليس من بابِ الإدعاءِ أو التخيّل أن الأحزابَ، بكل تنويعاتِها وخلفياتِها الأيدولوجيةِ والسياسية، والقوى العشائريةِ ومؤسساتِ المجتمع المدني الوطنية كافة، هي حلقة مهمّة، إن لم تكنْ الأهم، في بناءِ الجبهةِ الداخليةِ التي بمقدورها أن تجابه التحديات، وتتغلب على الصعابِ، وتقلل من أثرِ التداعيات.

هذه الحقيقة، التى نراها في كلِ الدولِ القويةِ والديمقراطية، تحتاجُ من الحكومةِ، والحكومةِ الحاليةِ عينها، أن تعيدَ النظرَ في فلسفةِ علاقتِها بالمكوناتِ الحزبيّةِ والاجتماعيّةِ والهياكل المجتمعيّةِ المؤسسيّة، وأن تقاربَ اتجاهاتِها وتوجهاتِها بما يمنح كل هذا المكونات التقدير اللائق، ومن ثم الدورَ الذي يُمكّنها من أن تلعبَ دورها الوطني، وفي هذه الظروفِ بالذات، فنحنُ لا نملكُ ترف الاختيار، وفرصةَ التجاهل أو الانتقاء، فللواقع الراهن ضروراته ومتطلباته، وهو لا ينتظرك لتقاربَ الأشياءَ وفقاً لهواك أو مزاجك، بل يحثكَ ويستدعي منكَ الحركةَ في الزمانِ والمكانِ الصحيحين لتدارك الأخطار.

ولأني ممن يؤمونَ بأهميةِ وضرورةِ أن تنخرطَ القوى من اجتماعيّةٍ وعشائريّةٍ في سياقاتٍ حزبيةٍ وسياسيةٍ، دون أن يلغي ذلك قيمة العشيرة ودورها، فاني كذلك أملك الإيمان بضرورةِ أن تكونَ الحزبيةَ هي الأساسُ والمنصةُ للعملِ السياسي، كي تنتظمَ السياقات السياسيّة الوطنيّة، وتتجنب أي شكلٍ من التشويشِ والتداخلِ والتعارضِ في الأدوار.

وهنا فإن أرى أي حديثٍ أو قولٍ بأن الأحزاب- ضمن واقعها الحالي- ليست قادرةً أو جاهزةً للعبِ الدورِ الذي تقتضيه الضروروات الوطنيّة، قولٌ يقومُ على افتراضٍ ساقطٍ، ولا أسس موضوعي له، ولا من حجةٍ قويةٍ تسنده، فأحزابنا الوطنيّة، برغم الصعابِ، لديها القدرة على الفعاليّةِ ولديها ما هو كافٍ من المصداقيّةِ الوطنيّةِ، ومن السياقِ التاريخيِ الذي يدعم ذلك، وهي ظُلمتْ وهُمّشتْ وأُقصيتْ، ولم تعطيها أي من التشريعاتِ حقها، ومنعتْ عنها فرصتها، كي تكون فاعلاً سياسيّاً قويّاً ومؤثّراً، وكأن السياقَ السياسيَ العام أرادها بحجمِها هذا، وحركتِها في أضيقِ مساحةٍ ممكنةٍ، دون الالتفات إلى الحاجةِ الملحّةِ لكياناتٍ حزبيةٍ وازنةٍ تلبي وتستوعبَ طاقات الشباب بدل أخذها مساراً مغايراً.

ولو كان الواقع، غير الواقع، والسياق غير السياق، لكانت أحزابنا أقوى مما هي عليه الآن، ولكانت عماد البرلمان وأساسه، ولكانت سنداً وطنياً يمكنُ الإتكاءُ عليه في الملماتِ، لكن، وبكلِ أسفٍ، لم تُعرها الحكومات الاهتمام الكافي؛ بل ضيّقتْ عليها، وحدّتْ من فعاليتِها، وحرصتْ أن تبقيها خارج البرلمان، أو حرصتْ أن يكونَ وجودها البرلماني ضعيفاً هشاً، لا حول لها ولا قوة، فقط أرادتها ديكوراً سياسيّاً، لا أكثر ولا أقل.

والحكومةُ، أي حكومة، تأخذُ مصالح الوطن باعتبارها، وتضعُ التحديات التي يمكن أن يواجهها في حساباتها، تعي وتُدركُ أن الأحزابَ والقوى المجتمعيّة من أهم الوسائلِ الوطنيِّةِ في تعظيمِ الجبهةِ الداخليةِ وتصليبها، والفاعلُ الذي بمقدورهِ أن يرصّ الصفَ الوطني، بوعيٍ وحكمةٍ، لمواجهةِ كل مستجدٍ صعبٍ ومأزقٍ، وتصبح قيمة الحزبيّة، كما أدوار القوى الاجتماعيّة، أكبرُ وأعظمُ ومفصلي، يُحدثُ الفرق اللازم، وذلك تحديداً عندما تكون الحزبيّة، وما تعكسهُ من تمثيلٍ للقوى الاجتماعية، ممثلة تمثيلاً حقيقيّاً في البرلمان.

والبرلمان الذي يمثل الناس، كل الناس، خير تمثيلٍ ويُحسن إدارة دوره الدستوري، يصبحُ مقنعاً للناسِ، وبالتالي مؤثّراً في توجهاتِهم وتوجيهاتِهم، لانه والحالَ هذه يكون قد ملكَ قدراً من المصداقيّةِ والثقةِ عند الناس، وهم الناس الذين لا أظنهم ينظرونَ إلى الحكوماتِ بعين الرضى، ولا أظنُ أن لديهم الثقة الدائمة في ما تفعله وتقوله.

وكي يكونَ لحديثنا، صدقيته، ولا نظهرْ كمن يتجاهل بعض تفاصيله، علينا ان نعترفَ كحزبيين، أيضا، أن لدينا إشكالاتنا، وفي هياكلِنا الحزبيةِ عيوب، وعلى طريقةِ إدارتنا لهذه الهياكل ملاحظات.. صحيحٌ أن بعضَها من فعلِ السياساتِ الحكوميّةِ التاريخيّة، وطريقتها في صياغاتِ التشريعاتِ التي تخص الحياة السياسيّة والحزبيّة.

لكن، نحن ذاتنا، لم نُحاولْ، بقوةٍ وعزمٍ، تغييرَ هذا الواقع، بتطويرِ قدراتِنا وأفكارِنا وبرامجنا، بل بتنا نتعايشُ مع الواقعِ، نعترضُ عليه شكلاً، ولا نُحاول أن نغيّره مضمونا، وتلك مثلبة، أخّرت انتقال الحزبيّة من الحالةِ الهامشيةِ إلى الفاعلِ المركزيِ.

فالمطلوب اليوم، من المكوناتِ الحزبيّةِ أن تعيدَ إنتاج واقعها وأخذ مسارها، بحيويةٍ وتأثيرٍ، لعلها تستطيع أن تلفتَ نظر الحكومات، وتُجبرها سياسيّاً، على أن تعيدَ النظرَ في علاقاتِها ونظرتِها للحزبية، ودورها الوطني الذي يجب أن تلعبهُ ولا تحرم الوطن منه، كي ننقلَ الحكوماتَ من حالةِ المراوحةِ في ذاتِ دائرة عدم الاهتمام، ومن الانطباعِ الزائفِ، وغير الواقع، المتشكل لديها، إلى دائرةِ التفاعلِ، والانخراطِ في نمطٍ جديدٍ من التعاطي مع الأحزابِ والقوى المجتمعيّة، وبما يخدمُ الجبهة الوطنيّة الصلبة التي نأمل ونطمح.

والقوى الاجتماعيّة، ذاتها، بما فيها العشائريّة، تحتاجُ إلى أن تقيّمَ واقعها، وتراجعَ أدوارها، وأن تُلاحظ أن قيمةَ العشيرة، كما قيمها، تغيّرت، وانتقلت من طورٍ إلى آخر، ولم تعدْ كما كانت، ولم تصبحْ أفضل حالاً، وأرى ذلك مشكلة، ومشكلة كبيرة، لها انعكاساتها على الواقعِ الوطني كله، ولأن العشائريّة، وكل البُنى الاجتماعيّة، هي في الأساسِ المكون الجوهري فلا بد، وهذه مسألة حتميّة، أن تعيدَ القوى العشائريّة بناء نفسها، وأن تضعَ في صلبِ تفكيرِها أن قوةَ البناء الاجتماعي لا تُلغي أهميّة تفكيرها في الاستثمارِ بالمؤسساتِ الحزبيّة، وتجعل منها وسيلة لتعبيراتِها السياسيّة.

وذات الشيء قد يستدعي من مؤسساتِ المجتمعِ المدني على اتساعِ نطاقها، واختلافِ منطلقاتِها ونطاقات عملها، أن تبني استراتيجياتها على أسسٍ وطنيّةٍ خالصةٍ، وأظن أن المسألةَ الملحّةَ الآن تكمن في ضرورةِ إعادةِ تعريفِ مصطلح “مؤسسات المجتمع المدني” لتحديدِ الأسسِ والمعاييرِ الوطنيّةِ لهذا التعريف.

الأخوات والإخوة ،،

لست بواردِ، ولا بمعرضِ، التوصيف الدقيق للحالةِ الوطنيّة، على صعدها كافة، الرسميّة أو الحزبيّة أو المجتمعيّة، لكن، أرى أن من الضرورةِ الوطنيّةِ أن نُعيدَ تقييم الواقع، ونفحصه، لنستكشف أين يكمنُ الخلل ونعالجه، ومكامن القوة فنستنهضها، فإن أولَ العلاج السليم التشخيصُ السليم، فإذا ما بقينا ندورُ في دائرةِ الانطباعاتِ والتخيلاتِ عن الواقع، فحتما لن نعالجَ مشاكلنا، ولن نستطيعَ الصمودَ في وجهِ التراجعِ الكبيرِ في استقرارِ المنطقةِ والإقليمِ عموماً.

إن الحاجة إلى فهمِ الواقع الوطني وتجلياته، وفهمِ الواقع الحزبي وتجلياته، وكذلك العشائري والمجتمعي، الأساس الذي سيشكل انطلاقة مختلفة، لتشاركيّةٍ أكثر إيجابيّة، وشرطْ ذلك أن نكونَ جميعاً، حكومات وأحزاب وقوى اجتماعيّة، لدينا الاستعداد لتجاوزِ حالةِ الإنكار، وأن نعترفَ بحقيقةِ الواقع، ومن ثم نضع الحلولَ المناسبةَ لكلِ المشكلاتٍ، صغيرها وكبيرها، أما أن يتمسّكَ كل طرفٍ بوجهةِ نظره، ويتمترس خلف تصوره وتقييمه، حتى لو كان غير دقيق، لا واقعية فيه، لاشك عندها.. لن نصلَ إلى نتيجة.

فالوطن، كما قلتُ سابقاً، أحوج ما يكون إلى وحدةِ الصفِ، ووحدةِ الموقفِ، وأحوج ما يكون إلى كل أبنائِه ومكوناتِه، يعالجونَ كل خلافاتِهم واختلافاتِهم؛ بما يستنهضُ الهممَ، ويمنع عن جدارِ الوطنِ الثغرات التي يمكن أن ينفذَ منها كل حاقدٍ ومتربصٍ، وهم كثر، بيننا وفي محيطنا، صدهم ودرء خطرهم ومؤامراتهم لا يكون بالكلامِ النظري، بل بالفعلِ الواقعي، وبشراكةِ الجميع، من غيرِ إقصاءٍ ولا تهميش.

وإني أرجو أن يكونَ لقاءنا هذا الأساس الذي ننطلق منه، لحالةٍ وطنيةٍ مختلفةٍ تضع توصيفا دقيقاً للواقعٍ، الحزبيِ والحكوميِ والمجتمعي، والوطنيٍ في العموم، مثلما علينا ان ننتهي إلى توصياتٍ وتصوراتٍ قابلةٍ للتطبيقِ، نتوافقُ عليها، وتكونُ جزءاً من إدارتنا لواقعنا الاجتماعي وبناه، ولحزبيّتِنا، ولعلاقتِنا بالحكوماتِ، وأن تتضمنَ إلى جانبِ الكيفيّةِ التي نطوّرُ بها واقعنا الحزبي والاجتماعي، الكيفيّة التي تطور من خلالها الحكومة خطابها وتوجهاتها وسلوكياتها وما تصوغ من تشريعاتٍ ذات مساسٍ بالحياةِ السياسيّة.

الأخوات والإخوة،،

وإذا ما كان لي أن اقترحَ، فاني أضعُ بين أيديِكم تصوري التأسيسي لمشروعٍ وطنيٍ جامعٍ، يمكن أن يكون لبنة، نشتركُ جميعاً في صياغتِه وتطويرهِ..
والمقترح في أساسِه أن نحوّلَ ونطوّرَ مؤتمرنا الوطني هذا إلى مؤسسةٍ دائمةٍ وحالةٍ تفاعليةٍ مستمرةٍ تشتركُ فيها كل المكوناتِ الوطنيّة، وتكون مهمته التأسيسيّة متركزة في دراسةِ الواقعِ الوطني، بصورتِه الحاليّةِ والمستقبليّة، ويقيّم كل ذلك تقييماً موضوعيّاً ودقيقاً، بحيث يحدد كل الإشكالياتِ السياسيّةِ والاقتصاديّةِ والاجتماعيّةِ والتشريعيّة، عبر اللجان المتخصصة والمنتقاة بعنايةٍ، وهذه اللجان ذاتها، أو بعد تطويرها، تُكلّف بوضعِ الحلولِ المناسبةِ والممكنة لمعالجةِ تلك الإشكاليات.

والمؤتمر الوطني الذي آمل أن يتحولَ إلى مؤسسةٍ، لابد له من هيئةٍ عامةٍ تتشكل من قوى حزبيةٍ وعشائريةٍ ومؤسساتِ مجتمعِ مدني، وكذلك أن يكون للمؤتمرِ أمانةً عامةً، ولجاناً دائمةً ومؤقتةً، ومن المهم أن يكون للمؤتمرٍ كيانات في المحافظاتٍ للعملِ بمقربةٍ من الناسِ وفي مواقعِهم.

والذي اقترحه، أن المؤتمرَ الوطني في حالِ مأسستِه من القوى الوطنيّة، لابد أن يخرجَ بمشروعٍ وطنيِ إصلاحيِ واحدٍ، ويُقدّمُ للمستوى الرسمي كخطة أو استراتيجيّة وطنيّة مقترحة من هذه القوى، وهي القوى التي يجب أن تدافع عن خطتها أو استراتيجيتها أمام الحكومات، وتعمل على إقناعِها بتبنيها والعمل بمقتضاها، مع إمكانيةِ أن تكونَ تلك الخطة أو الاستراتيجية موازيةً لخطةٍ حكوميةٍ، تتفاعلا معا وتنتهيا إلى خطةٍ وطنيّةٍ تشاركيّةٍ جامعة، خطة للجميع لا لطرفٍ أو مقترحة من طرف.

وبالضرورة .. فإن المشروعَ الذي يجب أن يقترحه المؤتمر الوطني عليه ان يستهدفَ إحداث تغييرات توافقية شاملة، دفعة واحدة أو على مراحل، وبآليّاتٍ واضحةٍ ومحددةٍ وعمليةٍ، والمهم أن يحمل المشروعُ تقييماتٍ صحيحةً وحلولاً سليمةً ونافعةً، تنقل الحالةَ الوطنيةَ من وضعها الراهن إلى وضعٍ جديدٍ أكثر تطوراً وأفضل حالاً، وتتحسّب للمستقبل وتحدياته على المستويين الداخلي وكذلك المؤثر الخارجي.. وهنا علينا أن نجعل الأوراق الملكيّة النقاشيّة من أساسات مؤتمرنا، وتفكيرنا، فهي تعبيرٌ دقيقٌ عن رغبةٍ ملكيّةٍ صادقةٍ في رؤيةِ حياةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعية وثقافيّةٍ مثاليّةٍ ترفع شأن الوطني وتعلي مكانته بين الدول والأمم.

الأخوات والإخوة،،

اشكر لكم حضوركم واستماعكم، والشكر للمؤتمرين وللقائمين على المؤتمرِ، وكلي شوق وحماسة للاستماع إلى كل المداولات والأفكار التي ستطرح هنا..

دمتم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبدالهادي المجالي

التاريخ : 2015/11/07