القمة العربية القادمة بين التحديات الوطنية وقيام نظام عربي جديد

القمة العربية القادمة بين التحديات الوطنية وقيام نظام عربي جديد

د.صالح ارشيدات

السؤال الذي يجب ان يطرح اليوم هو كيف نستطيع ان نجعل من انعقاد مؤتمر القمة العربي في الاردن نقطة انطلاق نحو المصالحة العربية العربية وبداية لاعادة نهوض النظام العربي من جديد على اسس ورؤية عربية جديدة بالرغم من وجودمتغيرات هائلة على الارض العربية بعد ان تراجع دور النظام العربي الحالي في تماسك الامة وحمايتها، وسقوط دولها القطرية القوية، حيث تشهد ساحات بعض الدول العربية حروبا اهلية ومذهبية رافقها حركة تهجير للسكان العرب غير مسبوقة في التاريخ العربي، واشارات لوجود بداية تشكيل نظام دولي جديد له عمق اقليمي واضح في تركيا وايران ، ليس للعرب دور مهم فيه ،وقدوم ادارة اميركية جديدة غير مجربة سياسيا ،تحمل مبادىء جديدة عن النظام الدولي الجديد ودوراً متغيراً للولايات المتحدة الاميركية فيه.

• و السؤال الثاني كيف نعزز اليوم من صمود الاردن ، الدولة الوطنية ،امام كل التحديات الداخلية الاقتصادية والخارجية الامنية، ووجود مليون ونصف مليون لاجئ سوري على الاراضي الاردنية؟

اولاً: دروس مستفادة من الربيع العربي

قد يكون ما سمي بالربيع العربي ، والعنف الثوري الذي صاحب في الاطاحة بأنظمة بعض الدول العربية، و استمرار ظهور التنظيمات الارهابية وتدعي الاسلام في دول عربية تمارس حتى اليوم الحروب الاهلية والمذهبية، هو، وفي اهم جوانبه التحليلية.

انه وليد بيئة عربية تعاني الاختناق، وقد جاء كردة فعل ونتيجة على فشل معظم الانظمة العربية في الاصلاح الشامل من اجل اقامة مجتمعات المواطنة الدستورية المتماسكة والمتعايشة داخليا تحت سيادة القانون وضعف حماية وصون حقوق الانسان، وفشل تحقيق النمو والتنمية والامن والعدالة الاجتماعية في بلدانها، وممارسة بعض الانظمة عملية اقصائها للمكونات السياسية والثقافية الوطنية، وتسلطها على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية ، ورفضها اجراء اصلاحات جذرية على نظامها السياسي والاجتماعي، فالاستبداد حاضنة الارهاب.

ثانيا:الاردن الذي يفتخر بانتمائه العربي والاسلامي

وبحملة رسالة الثورة العربية الكبرى بالتحرر والاستقلال والوحدة والذي يدافع عن القضايا العربية وعن سمو رسالة الاسلام السمحة التي تدعو الى الرحمة والعدل والخير بين الناس اجمعين بغض النظر عن اللون والجنس والدين، بعيدا عن التطرف والارهاب،

فالأردن يؤمن بأهمية وجود نظام عربي فعال قادر على ممارسة رسالة الامن القومي العربي ضمن نظام عربي تحترم فيه خصوصية الدول العربية وفق مبادئ انسانية عالمية تنموية تحقق امن الانسان العربي وحقوقه الطبيعية بالحرية والحياة الكريمة

فالإنسان العربي الحر المنتمي في كل قطر عربي هو حجر الاساس في قيام مجتمعات متماسكة وقوية قادرة على مواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية فقوة اي قطر عربي هي في قوة مجتمعه ومواطنيه نساء ورجالا وفي قوة مؤسساته المدنية وعلاقة النظام السياسي بمواطنية ضمن عقد المواطنة الدستورية في الدولة المدنية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية

ثالثا :التحديات الاساسية امام القمة العربية!

مؤتمر القمة القادم هو محاولة متأخرة ولكنها مصيرية لإعادة احياء النظام العربي، ومفهوم العمل العربي من جديد، ولكي ينجح المؤتمر اوليا، لا بد للأنظمة العربية من:

– الاعتراف والادراك عربيا بان هناك تغيرات جذرية تحدث على العالم باتجاه اعادة ترسيم للنظام الدولي الجديد ليس للعرب دور فيه، ويتطلب ذلك منهم اعادة تقييم المرحلة وخلق تحالفات جديدة وعقلانية.

– وان نتائج توقيع الاتفاق النووي مع ايران ونتائج الاحداث الامنية والحروب على ارض الواقع في اماكن التماس، تشير الى وجود اعتراف دولي بدور اقليمي لإيران وتركيا في النظام الدولي الجديد.

ولا بد لكي ينجح المؤتمر من السعي لتحقيق معظم الاهداف التالية :

• وجوب مشاركة عربية واسعة على مستوى القادة والملوك العرب.

• القبول ضمنيا بمبدأ المصالحة العربية، العربية، ووضع تصور حقيقي لأدواتها ولأطرافها.

• القبول ضمنيا بمبدأ الحوار بين الاطراف المتنازعة رغم الاصطفاف والاستقطاب السياسي والامني لبعض الدول الاعضاء

• طرح موضوع المصالحة المذهبية والتقريب بين انصار الفريقين المتحاربين ايران والعربية السعودية

• تفعيل نداءات شعبية ومهنية مؤسسية واسعة في كل بلد عربي للقادة العرب بضرورة المصالحة في القمة العربية

• مناقشة المستجدات على الساحة الفلسطينية والقدس بعد تصريحات الادارة الاميركية الجديدة حول حل الدولتين وموقف عربي واحد يطمئن الفلسطينيين حول مستقبل القضية.

• اعطاء موضوع اللاجئين,والنازحين السوريين في العالم اهمية وتقديم تصور وخطة لرجوعهم الى بلدانهم وتقديم دعم للدول المستضيفة.

ولعلنا ندرك ان المهمة ليست سهلة وبحاجة الى دولة مبادرة يتبعها مشاورات ومبادرات مكوكية مسبقة مقبولة من جهات عربية لها مصداقية ولها مرونة سياسية ورغبة في انجاز المهمة في وقت صعب غامض لا يعلم احد متى ستتوقف الحروب الاهلية في بلاد العرب، لان القرار حول ذلك ليس عربيا،

كما ان مشاركة القادة والملوك العرب شخصيا في مؤتمر القمة هو اساسي لإنجاح برنامج القمة ، ولعل دول مثل الاردن وعمان والسعودية والامارات والبحرين والجزائر والمغرب ومصر، قادرة على اطلاق مبادرات واتخاذ اجراءات وزيارات باتجاه انجاح اللقاء العربي، مثال ذلك نجاح العلاقة السعودية اللبنانية الاخيرة. وقد تتغير نتيجة اي مصالحة عربية ، مواقف الحلفاء الكبار وتراجع استمرار الحروب الاهلية.

– فهل ينجح العرب في المصالحة العربية العربية، وهل تقدم بعض الدول العربية بعض التنازلات من اجل لم الشمل ومن اجل اعادة احياء النظام العربي من جديد؟ هذا ما ستكتشفه الاشهر القادمة.

التحديات القطرية العامة-الاردن كمثال

على مستوى مواز للقمة العربية القادمة و مشروع اعادة احياء النظام العربي، كيف هو الاصلاح المطلوب في الدولة القطرية العربية التي هي حجر اساس في اعادة احياء نظام عربي جديد؟ الاردن كمثال

ينظر للاردن عربيا وعالميا على انه انموذج مضيء في الشرق الاوسط يمكن تطويره دائما نحو الافضل، حيث يتميز نظامه السياسي بالعقلانية والحكمة والشرعية الدينية والشعبية ، ويتميز مجتمعه الاردني العربي الاسلامي الشعبي المدني والسياسي بالوسطية والاعتدال والانفتاح على العالم كله وبالتوافق على ثوابت اردنية تتعلق بنظام الحكم والامن المجتمعي ووحدة الاردنيين وسلمية التعبير للمعارضة، ويسجل للاردن استيعابه الانساني للاجئين باعداد هائلة رغم شح موارده الطبيعية وامكاناته الاقتصادية.

فالأردن دولة مدنية، حسب الدستور والقوانين والانظمة والممارسة ، نظام الحكم فيه نيابي ملكي وراثي ،وقد حقق انجازات هائلة في مجال التنمية الانسانية المستدامة الشاملة وخصوصا في التعليم والصحة والمرأة، بالرغم من موجات النزوح والهجرات السكانية القسرية المتتالية،

وفي مجال مسار بناء مؤسسات الدولة المدنية حقق انجازات متراكمة ملحوظة من خلال الدستور والتشريعات والقوانين الناظمة ومن خلال الممارسات الانسانية المتعلقة بالحريات العامة وحق التعبير والانتخاب ،وتمكين المرأة والعدالة الاجتماعية، وعدم التمييز بين المكونات بسبب الدين والعرق وضمان حقوق الانسان والمواطنة الفاعلة الدستورية واستيعاب كل المكونات العرقية والثقافية والدينية والمساواة بالحقوق والواجبات امام القانون ويسعى الاردن جاهدا للتحول الديموقراطي والوصول الى الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة.

وهو بحالة دائمة للتصدي للتحديات الطارئة نتيجة احداث الاقليم العربي المتداخلة.

التحديات!

اولا: يواجه الاردن اليوم مجموعة من التحديات الاساسية المتداخلة ما بين الامني والاقتصادي والسياسي والاداري والجيو سياسي والبيئي، يأتي في مقدمتها تحدي الحفاظ على امن واستقرار الاردن في اقليم تسوده الصراعات السياسية والاصطفافات المحورية والحروب الاهلية وتنامي التطرف المذهبي والارهاب الدولي،

ويتطلب التغلب على هذا التحدي ابتداء ،دعم المؤسسات الامنية الوطنية المتميزة بكل ما يلزم ودعم تماسك الجبهة الوطنية الداخلية من خلال تعظيم مفهوم المواطنة الدستورية وشحذ الشعور الوطني باهمية الانتماء الوطني والوحدة الوطنية وتعزيز اهمية المشاركة الشعبية العامة في القرار الوطني وخصوصا في التنمية السياسية والحوكمة وفي مكافحة التطرف وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ثانيا :كما يشكل تحديث الوضع الاقتصادي الصعب تحديا مزمنا للاردن بسبب صغر حجم السوق الاردني وصعوبة توافر استقرار في البيئة الاقتصادية الكلية والذي يؤثر سلبا على بيئة الاعمال والتنمية المستدامة، وكذلك ضعف نسبة النمو الاقتصادي مقارنة بزيادة نسبة السكان ،وتواضع مشاريع الاستثمارات المشغلة للاردنيين،وصغر حجم ومساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني وشح الموارد الطبيعية لديه مثل الطاقة والمياه وتواضع مساهمة قطاع الصناعات في بناء قاعدة صناعية واسعة تسهم في تغطية جانب مناسب من احتياجات السوق المحلي وتوليد مصادر توظيف مستمرة للاردنيين وزيادة في الناتج المحلي الاجمالي، وتأثر قطاع السياحة والخدمات العامة سلبا بالاحداث الاقليمية ،

ثالثا: ازدياد عدد السكان المفاجئ، وخصوصا بعد احتضانه لمليون ونصف المليون من اللاجئين السوريين( 20% من السكان) ،حيث ارتفعت المديونية لاكثر من 90% من الناتج المحلي الاجمالي، وزاد تراكم عجز الموازنة سنويا مما اثر على ازدياد نسبة الفقر والبطالة وتباطؤ معدل النمو الاقتصادي وتراجع فرص العمل والتشغيل ومستوى الخدمات العامة وشح المياه والطاقة،كما تراجع الدعم العربي والاجنبي لخدمات دعم اللاجئين السوريين المعيشية والتعليمية والصحية والادارية.

ويتطلب مواجهة التحديات تنفيذ واتخاذ بعض الاجراءات الضرورية الاتية:

الاجراءات المطلوبة!

اولا: ضرورة الاستمرار في الإصلاح الشامل بأبعاده التشريعية والمؤسسية والإدارية في إطار من الديمقراطية والشفافية والمساءلة والتعددية والحداثة بهدف الوصول الى بناء دولة مدنية حديثة،من خلال تعزيز مفهوم سيادة القانون وتكامل دور المؤسسات الوطنية الرسمية والاهلية في تجذير الديموقراطية الاردنية المتجددة من خلال الحكومات البرلمانية ومشاركة اوسع لمؤسسات المجتمع المدني والاحزاب.

ثانيا: ضرورة الاستمرارقي إصلاح الإدارة الحكومية ودعم إستقرارها، وتنظيم الاختلالات في سوق العمل و تحسين بيئة وحقوق العمل والعمالة الوافدة، وتعزيز مبدأ الشفافية والنزاهة والحوكمة، ومحاربة الفساد والمحسوبية وحث الإدارات الحكومية على بلورة فكر إقتصادي وإداري وطني يوصل الى تحقيق نمو إقتصادي حاسم بالشراكة مع القطاع الخاص ، وتحقيق العدالة الإجتماعية والتنمية المستدامة.

ثالثاً: ضرورة حسم الإدارة الحكومية لقضايا معلقة من خلال برنامج وطني معلن، مثل المديونية العالية، إصلاح التعليم العام والعالي والخطاب الديني والمناهج، ، وتعزيز سيادة القانون وترسيخ مبدأ الشفافية والحوكمة ومواجهة شح الموارد مثل الطاقة والمياه، والاستمرار بالتنمية المستدامة في المحافظات والاطراف.

رايعا: اعادة تطوير النموذج الاردني للنمو الاقتصادي وتسليط الضوء نحو القطاعات الاقتصادية المحفزة لمزيد من تحفيز مشاريع الاستثمارات المربحة والمشغلة للاردنيين،والسير على طريق تحقيق الاسقلالية الاقتصادية من خلال مزيد من الاعتماد على الذات وضرورة تفعيل و إنقاذ بعض القطاعات الإقتصادية من التدهور التراكمي واستغلال وادارة افضل للموارد الوطنية ، وبشكل أساسي قطاعات الزراعة والتعدين والتعليم والصناعة، ،وتفعيل مفاهيم الاقتصاد المعرفي من خلال ربط التعليم باحتياجات السوق المحلي والاقليمي.

خامسا: الابتكار: ضرورة تطوير المقدرة العلمية والتكنولوجية للمؤسسات العلمية كشرط أساسي للإنطلاق نحو الابتكار ،وهو الركيزة الاساسية للوصول الى الاقتصاد المعرفي المتميز وبناء قاعدة راسخة من التفوق العلمي المرتبط بالإنتاج المستدام الكفؤ من خلال مراكز البحث والتطوير وتوافر العلماء والمهندسين المتميزين وفعالية القوانين والتشريعات التي تحمي حقوق الملكية.ويتطلب ذلك اعادة النظر في النظام الكلي للتعليم العام والعالي.

سادسا: المجتمع المدني: ضرورة تعزيز معادلة نمو الانتاج الاجتماعي،المادي والروحي بجميع فروعه ومكوناته، واعطاء دور اكبر للمجتمع المدني للمشاركة السياسية والاجتماعية التي ستفتح قنوات الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة ،وانخراط واندماج الافراد في بنى وعلاقات حديثة ،عامودية، مهنية ونقابية وحزبية وغيرها ذات مضامين اجتماعية واقتصاديةوثقافية وسياسية واخلاقية.

سابعا :على المستوى العربي السعي لاجراء مصالحة عربية عربية بعد ان فرقت الاحداث الدموية في سوريا والعراق واليمن وليبيا نتيجة الاصطافات السياسية للعرب ،لحمة التعاون العربي واضعفت دور النظام العربي، والسعي لوقف نهج الاقتتال والدمار الحاصل حاليا، واعادة الاعمار واستئناف التعاون التجاري الاقتصادي بين الدول العربية.

ثامنا: على المستوى الاقليمي والدولي،على الاردن استثمار مكانته الدولية المرموقة واحترام العالم لدوره الديناميكي العربي والاسلامي السياسي والاجتماعي لتحقيق مزيد من الدعم العالمي المستدام للاستمرار في رسالته الانسانية والتنموية.

استثمار الاردن انعقاد مؤتمر القمة العربي في الاردن ايجابيا، وتقديم وثيقة استراتيجية لمستقبل الامة العربية وبرنامج عمل للاحياء والتعافي العربي في ظل الاحداث الدامية والحروب المذهبية ومحاولات القوى العظمى اعادة تشكيل النظام الدولي الجديد في غياب دور ما للعالم العربي.