« التيار الوطني» … يعلق الجرس احمد حمد الحسبان

« التيار الوطني» … يعلق الجرس احمد حمد الحسبان

خلافا لما يعتقده البعض بانه» مفاجأة»، يمكن للمدقق في المشهد السياسي ان يرى هشاشة الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على التاثير في مجريات الأمور، ويمكن قراءة لائحة طويلة من الأسباب التي افضت الى مثل تلك الحالة، وعلى رأسها عدم وجود إرادة سياسية لتاسيس حياة حزبية فاعلة.

فمن يدقق في تفاصيل المشهد، يتوقف عند كم من المعطيات التي يمكن من خلالها تشخيص المشكلة، وتحديد العوامل التي تحد من تجذير العملية الحزبية وصولا الى حياة ديمقراطية حقيقية وفاعلة.

ففي ذات التفاصيل وعند احداث سابقة، كانت هناك تجارب دقت ناقوس الخطر، واعطت مؤشرا على ان العملية الحزبية اشبه بـ» قربة مثقوبة»، ومن تلك الاحداث عزوف قيادات سياسية عن التفكير بمواصلة النشاط الحزبي، والنزول من حافلة الأحزاب عند واحد من ابرز المنعطفات، ليس هروبا، وانما قناعة بعدم جدوى السير في ذلك المسار، وان القناعة التي توصلت لها قيادات» التيار الوطني» كانت تلك القيادات قد اكتشفتها مبكرا، وقبيل تأسيس» التيار نفسه» نتيجة اندماج عدد من الأحزاب في حزب واحد، وقبل ان يتطور الحزب الدستوري الى « التيار الوطني».

وفي التفاصيل، لا بد من التوقف عند الكثير من المسببات لتلك الحالة، فاضافة الى عدم وجود إرادة سياسية لتنمية الحياة الحزبية، بدا واضحا ان فكرة الأحزاب لم تكن فكرة ناضجة، ولم تكن ولادتها طبيعية، وانما ولادة قيصرية بدأت عقب ما اتفق على تسميته بـ» هبة نيسان»، والانتحابات البرلمانية التي جرت عام 1989 والتي كانت نقطة مضيئة في مسيرتنا السياسية.

فكل التجارب الحزبية هنا، كانت مستوردة من الخارج، وكلها ذات امتداد خارجي، سواء اكانت قومية ام قطرية، ام نضالية، او حتى اممية، ولم يفلح احد في» اردنة» اية فكرة بالمعنى الواسع للمشروع الوطني الذي يتعامل مع القضايا الوطنية، دون المساس بالثوابت القومية، فكانت النتيجة ان هناك نسخة مكررة من الأحزاب، التي لا تمتلك اية برامج، والتي تفتقر الى الامتداد الشعبي، باستثناء حزب جبهة العمل الإسلامي الذي اعتمد برنامج جماعة الاخوان المسلمين، والذي تحول الى اسير لطروحات تلك الجماعة دون تغيير يذكر.

وتبعا لذلك، فقد تحولت بعض المشاريع الحزبية الى « طموحات شخصية»، لم تفلح في اقناع العامة بطروحاتها، ولم تتمكن من فرض وجودها على الحياة السياسية، وفي الوقت نفسه اصطدمت بغياب الإرادة السياسية الداعمة للأحزاب، ووجود الممارسات المعطلة لها، وكانت النتيجة وجود عشرات مشاريع الأحزاب التي لا يمكن التقليل من شانها، لكنها ليست فاعلة على ارض الواقع.

في التشخيص أيضا، وتدعيما لذلك الراي، لم تشهد الساحة السياسية المحلية انطلاق فكرة حزبية من القاعدة، انتقالا الى الأعلى، فكل التجارب كانت قد بدأت من الأعلى نزولا الى الأسفل، بمعنى ان تبدأ احدى الشخصيات بالإعلان عن نيتها تأسيس حزب، وياتي الأنصار للتسجيل في الحزب، بدلا من ان تبدأ القاعدة بالتفكير بتاسيس حزب، واجراء مناقشات عامة لافكار وطروحات المشروع وصولا الى اختيار قياداته بأسلوب ديمقراطي، وصولا الى امكانية التأثير في مجريات الأمور.

ومن الطبيعي هنا ان تتراجع قوة الحزب عند المنعطفات التي تؤثر على المكانة السياسية او حتى الوظيفية لقيادته.

من هنا، يمكن القول ان ما قامت به قيادة» التيار الوطني» من اعلان عن حله، يدعم كل ما اشرنا اليه في هذه العجالة، وفي الوقت نفسه فإنه بمثابة» تعليق للجرس»، ما لم تكن هناك مبادرة رسمية لاصلاح الخلل، بدءا بقانون الأحزاب، وانتهاء بتوفير الإرادة السياسية بتنمية الحياة الحزبية بمعناها الواسع.

فرغم ما يقال ـ همسا ـ بان ظروف المنطقة لا تسمح بتلك الخطوة، من المؤكد ان هناك هوامش واسعة يمكن استغلالها للوصول الى أجواء مريحة، يمكن ان تساعد في نمو مشاريع حزبية فاعلة.