اصلاح وتحديث التعليم العالي في الاردن

اصلاح وتحديث التعليم العالي في الاردن

د.صالح ارشيدات امين عام حزب التيار الوطني
التعليم العالي في الوطن العربي: الواقع والتحديات

يدور على الساحة الاردنية منذ فترة طويلة جدا، حوار شعبيه ورسمي ونخبوي تعليمي حول ضرورة اصلاح مكونات منظومة التعليم العالي، بعد ان اشارت واكدت معظم الدراسات والندوات ولجان اصلاح التعليم الرسمية والخاصة منذ اكثر من عقدين، واكدتها استراتيجيات التعليم العالي والبحث العلمي للسنوات 2007 ( سبع محاور)وللسنوات2014(تسع محاور) وكذلك الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية للأعوام 2016-2025 لواقع التعليم العالي والبحث العلمي(خمسة اهداف تتعلق بالفرص العادلة والجدارة والمساواة ومخرجات الابحاث العلمية ومستوى التدريس وتحفيز الجامعات وتمكينها تبني افضل الممارسات)،
اشارت الى وجود اختلالات متراكمة في محاور رئيسية يرتكز عليها التعليم العالي وعلى راسها:
التشريعات، واسس القبول، والموارد البشرية والبحث العلمي، ضمان الجودة والبيئة الجامعية، الحاكمية، والدراسات العليا والتعليم التقني والتكنولوجي وتمويل الجامعات واكدت الدراسات ضرورة تغير واقع الجامعات من حيث اساليب القيادة والادارة والتخطيط الاكاديمي والاداري والمالي.
هذه الاختلالات تنعكس سلبا على منتج التعليم الاردني، مثل مستوى مخرجات التعليم و مستوى الخريجين العلمي والثقافي، وتؤدي الى تزايد اعداد العاطلين من الاكاديميين عن دخول سوق العمل المشوهة البعيدة عن احتياجات السوق الحالي ، وازدياد حالات العنف في الجامعات الاردنية، وغياب الاهتمام بالمشاريع الريادية وحاضنات الاعمال.
السؤال الذي لا بد ان يطرح اليوم هو:
هل لا زال الوقت متاحا و المجال مفتوحا لا صلاح وتحديث مكونات منظومة التعليم العالي، بعد ان تراكمت واستفحلت التحديات؟
وما هو نظام وهيكل التعليم الذي يناسب مستقبل الاردن الحديث؟
الثوابت والتحديات!
o هناك اجماع في الحوارات المختلفة، وفي الجانب الايجابي من ملف التعليم، هو ان قطاع التعليم لا زال يعتبر اهم محور مكون في قطاعات التنمية الشاملة المستدامة في الاردن، وان الاردن حقق خلال العقود الماضية قصة نجاح هائلة على مستوى محلي وعربي دفع بالأردن الى المراكز الاولى عربيا واقليميا. وقد طورت الرؤية الوطنية للتعليم منذ عام 2002 وصولا الى رؤية تحديد اتجاهات مبادرات اصلاح التعليم وفق الاستراتيجية الوطنية للموارد البشرية.
o هناك اجماع ايضاً أن قطاع التعليم بشقيه، العام والعالي يجب ربطه ببعضه ضمن رؤية استراتيجية واحدة للتعليم، وقد اصبح التعليم العالي من الملفات الشائكة والتي لم تستطيع اي جهة لوحدها فتحه او التقرب منه بسبب ثقله وتعقيداته ومقاومة قوى الشد العكسي، المستفيدين من تعقيدات هذا الملف، وهو بحاجة الى موقف دولة استراتيجي عام.
o هناك اجماع ان بعض اثار مخرجات التعليم السلبية المتراجعة تعدت، موضوع التعليم نفسة ،وتعدت المبادئ التي تحكم عملية التطوير وفلسفة السياسة التربوية في الاردن،
o والتي تهدف الى:
. الحرص على التوازن النوعي بين الموارد والسكان.
.الحرص على التوازن بين مقومات شخصيتنا الوطنية والانفتاح على الثقافة والعلوم والتكنولوجيا العالمية، والتكيف مع متغيرات العصر والتحديث واستثمار الموارد الوطنية بأعلى مردود، بنجاحها في الربط العلمي بين النظام التعليمي والتخطيط الاقتصادي وحاجات السوق، وبخاصة تخطيط القوى البشرية.
التحديات الملموسة!
o تزايد مؤشرات الاقتصاد السلبية بسبب تزايد نسبة البطالة والفقر وضعف مؤشرات الحاكمية والادارة الرشيدة والعدالة الاجتماعية وقصور منظومة السلوك والمواطنة والانتماء في الجامعات نحو مزيد من العنف المجتمعي و محاولة الاخلال بمبادئ سيادة القانون والامن الوطني الذي يميز المجتمع الاردني عن غيره.
o تراجع نوعية التعليم والتعلم بسبب وجود عدد هائل من الطلبة في الصفوف الجامعية وتحويل العملية التدريسية الى عملية تلقين سريع بدون حوار مريح للمدرسين مع الطلاب وازدحام في مرافق الجامعة والمختبرات وتراجع مستوى المدرسين
o تراجع نوعية التعليم الاساسي المدرسي بسبب قصور وفقر بعض المناهج المدرسية عن مواكبة العصر ومتطلباته، واستمرار الية النجاح الاتوماتيكية في الصفوف المدرسية الاساسية، وغياب امتحانات التقييم المرحلي وضرورة اعادة هيكلة مكونات التعليم العام.

o تداعيات امتحانات شهادة التوجيهي المرعبة وما يصاحبها من عنف مجتمعي ،كونها المقياس الوحيد للالتحاق بالجامعات والتعليم الاخر.
o تدني نوعية مخرجات بعض الاختصاصات في التعليم العالي وازدياد اعداد الخريجين العاطلين عن العمل وضعف المستوى الثقافي لطلبة الجامعات بشكل عام.
o تراجع مسؤوليات مؤسسات التعليم الرسمية الادارية والفنية في المشاركة في وضع الاستراتيجيات والحوار حولها مع مكونات قطاع التعليم العالي وفي متابعة تنفيذ السياسات الأكاديمية والارشاد الاكاديمي وتفعيل المساءلة وضمان الجودة وقد يكون السبب تغير الحكومات والوزراء باستمرار
o تراجع التزام الحكومات بدعم الجامعات الرسمية ماديا الامر الذي اوجد حاضنة النظام الموازي الذي اصبح كما يقال، مسيطرا على مسار التعليم العالي ومخرجاته المتراجعة ومسؤولا عن تراجع مستوى الجامعات الاردنية العريقة،

o تدني نسبة التعليم المهني والحرفي والتقني في المدارس وهي الان 13% من حجم التعليم العام، وغياب المشاركة بين القطاع الخاص والعام في ادارة المراكز المهنية ضمن خطة اقتصادية تدريبية تعليمية طويلة المدى مرتبطة بالقطاع الخاص وبحاجات السوق الاردني ومتطلباته من الحرف والمهن والخدمات المشابهة، ومرتبطة بتقدم وسائل التعليم والتدريب عالمياً ،
o ضعف العلاقة في تقيم المستوى التعليمي للطالب بين نتائج التوجيهي ومسار الطلبة المدرسي الطويل وهناك اجماع على اهمية اعادة تقييم علامات شهادة التوجيهي وربطها بسنوات المرحلة الثانوية الثلاثة، وضرورة اعادة توزيع مواد مساق شهادة التوجيهي على السنوات الثلاثة في المرحلة الثانوية، وربما الغاء امتحان شهادة التوجيهي لاحقاً بعد ايجاد البديل لذلك.
o عجز وضعف عدالة الية القبول بالجامعات والتخصصات المطلوبة وهناك اجماع ان آلية القبول في الجامعات يجب ان تعدل وتصبح اكثر عدالة واكثر مهنية وتنافسية من خلال لجنة خاصة للقبول في الجامعات والتخصصات المطلوبة،
o ضعف دور ومسؤوليات مجالس الامناء ومجالس الجامعات في رسم سياسة الجامعة و تحديد آلية سياسة القبول والتمويل وتحديد المساقات المطلوبة،
o ضعف الاهتمام والرعاية المالية والحرفية بالمعلم المدرسي وتدني القدرات وغياب الاجازات الفنية والتربوية للكثيرين منهم.
o هناك اجماع ان المعلم هو محور العملية التربوية وان هناك ضرورة دائمة لإعادة تأهيل واجازة حرفية مهنة المعلم في مؤسسات معتمدة، ودعمه وحمايته واعادة الاعتبار لمهنته ماليا ونفسيا، واعلاء مكانة المعلم الاجتماعية، ويتطلب ذلك منظومة من الاجراءات ابتداءً رفع رواتب المعلمين والعاملين في التدريس والاشراف التربوي وهو بحاجة الى موازنة مالية كبيرة غير متوفرة حاليا.

التعليم الذي نريد!
ملامح محاور الاصلاح والتحديث في التعليم!
المطلوب حسب اعتقادنا:
في التعليم العام

o الاهتمام بالتعليم الحرفي والمهني والتقني و السعي في المستقبل الحديث لرفع نسبته الحالية من 13% الى 50% من حجم التعليم العام ووضع السياسات والهيكلة التشريعية لجميع المؤسسات المعنية مثل مؤسسة التدريب المهني وصندوق التشغيل وجامعة البلقاء التطبيقية وخطة اعلامية لتغير النظرة السلبية و رصد الموازنات المالية لنظام حوافز للمدربين والمتدربين وانشاء المعهد الوطني لتدريب المدربين واجراء دراسات سنوية لتحديد احتياجات السوق وتفعيل عملية تنظيم العمل المهني، وزيادة القبول لا بناء القوات المسلحة، واشراك القطاع الخاص في ادارة المراكز
o اصلاح امتحان ومواد شهادة التوجيهي الحالي وخصوصا انزال نسبة المتقدمين سنويا لشهادة التوجيهي الى نسبة لا تزيد عن 5% من حجم اعداد طلاب التعليم العام السنوي، بعد هيكلة وتطوير مساقات التعليم المهني والحرفي، وإعادة احتساب علامات المدرسة لسنوات المرحلة الثانوية الثلاث كنسبة مئوية من مجموع علامة شهادة التوجيهي، وتسهيل اجراءات فترة تقديم امتحانات التوجيهي.
o انشاء صندوق مالي وطني اعتباري للتعليم “بقانون” لدعم مسار التعليم المهني السريع، ودعم انشاء مؤسسات أكاديمية لتأهيل وتطوير واجازة مهنة المعلم المختص في المدارس الحكومية، وتامين حاجات المعلم الحياتية ضمن خطة عمل توافقية.

في التعليم العالي!
o اعادة النظر بسياسة القبول الجامعي وتحسين عدالة شروطه للمتقدمين من خارج اطار القبول الموحد على اساس الجدارة من خلال تنظيم الاستثناءات وزيادة نسبه المنافسة الطبيعية لمقاعد الدراسة بعيدا عن موضوع الكوتا والاستمرار في دعم صندوق دعم الطالب.
o وضع خطة لإلغاء النظام الموازي تدريجيا والزام الحكومات دعم الجامعات الرسمية وتعويض الدخل المالي من الموازي والمقدر ب 200 مليون دينار سنويا
o اعادة النظر بالمناهج الجامعية وتوجيهها نحو اختصاصات الاقتصاد المعرفي واحتياجات السوق المحلي والعربي ووقف الاختصاصات المشبعة والراكدة واعادة تأهيل العاطلين عن العمل فيها، واقامة الاعتمادات الخارجية للتخصصات والبرامج، واعتماد الكفاءة والمهارات والقدرة على القيادة في اختيار هيئات التدريس بعيدا عن الجهوية.
o دراسة ارجاع الدور الاساسي لكليات المجتمع المتوسطة ومساقاتها التدريسية التطبيقية والتي انشئت من اجلها، وهي الحلقة المفقودة في نظام التعليم، واعادة تقيم لكليات المجتمع وتحديد نموذج عالمي لاتباعها في عملية التطوير وتخصيص بعثات للتعليم المهني والغاء جميع التخصصات الانسانية واستحداث برامج علمية مهنية.
o الاستفادة من قدرة الجامعات الخاصة الاستيعابية في تحقيق هذا المساق المتوسط وشروطه(دبلوم تقني) بعد اجراء شروط الاعتماد الاكاديمي.
o دمقرطة الية العمل في مؤسسات التعليم العالي وخصوصا مجالس الجامعات ومجالس الامناء، واعطاؤها صلاحيات ومسؤولية اخذ القرارات في الجامعات، وخصوصا المساهمة في وضع المناهج و تحديد الاختصاصات وسياسات القبول والتعين، واختيار رؤساء الجامعات ووضع الاسس في كيفية تقيم اعضاء هيئة التدريس وايجاد معايير لذلك.
o تحفيز اسس الابداع والابتكار واقامة نظم اعتماد عامة وخاصة وضمان نوعية وجودة المدخلات والمخرجات والتوجه نحو الاستثمار في قطاع الابداع والاقتصاد المعرفي.
o تفعيل المساءلة وضمان الجودة في القطاع التعليمي ووضع مؤشرات اداء القياس واعادة تقيم انظمة الترقية في الجامعات وتطوير الية ومنهجية صندوق دعم البحث العلمي وتكليف المجالس بتقييم اداء القيادات الاكاديمية في الجامعات واصدار نظام ممارسة العمل الجامعي

o المطلوب من الجامعات لمواكبة العصر الجديد ،:

– تطوير مهارات التواصل ومهارات تقنية المعلومات والاتصالات ومهارة المعرفة المتعمقة لمجال الدراسة وتداخلاتها ومهارات التعليم المستقل والتعليم مدى الحياة ومهارات التفاعل والبناء ومهارات المنظور العالمي ومهارات مكان العمل ومهارات العدالة الاجتماعية ومهارات تنمية القدرات الشخصية.
– تعزيز دور البيئة الجامعية وتعزيز انتماء الطلبة لجامعاتهم وتعزيز الفضاء الثقافي والارشاد الاكاديمي والمبادرات الجامعية والتفاعل مع المجتمع المحلي لطلبة الجامعات وربط بحوث الدراسات العليا بمعالجة المشاكل الحقيقية للمجتمع وخصوصا مع قطاع الصناعة والبحث العلمي والمعرفة والابداع، وتطوير مراكز الخدمات الطلابية لتكون الجامعة جاذبة .
o تحديث واصلاح التعليم بحاجة الى توافق واسع على خطة وطنية مدروسة جيدا ، ودعم راي عام وطني ومؤسسي، وارادة سياسية تستشرف المستقبل ولديها رؤية واضحة وبرنامج تنفيذي قابل للتطبيق، وتقديرات كلفة مالية ورصد مخصصات مالية كبيرة.

من يعلق الجرس؟
اليوم وبالرغم من وجود الاستراتيجيات للتعليم العالي والبحث العلمي ووجود الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية 2016/2025 لا زلنا نقف متفرجين امام كل توصيات الدراسات والمؤتمرات ونتائج اللجان الرسمية والخاصة لا صلاح التعليم وعجزنا عن تحقيق الاهداف المرجوة من تطوير فلسفة التعليم العام والعالي التي خططنا لها قبل سنوات طويلة ،
اليوم ،لا زلنا نعجز جميعنا ،من مؤسسات وطنية رسمية واجتماعية وأكاديمية ومفكرين وسياسيين، عن التوافق على تطبيق خارطة منظومة اصلاح واحدة وتحديث التعليم التي خططنا لها جميعا على الورق وفي المؤتمرات المتخصصة، لأننا تأخرنا سنوات طويلة عن بدء الاصلاح والتحديث والتغيير، وترددنا من اين نبدأ، وفزعنا من التداعيات المحتملة بعد ان اجزنا انشاء النظام الموازي للقبول بديلا للدعم المالي الرسمي المتراخي، ولا نعرف اليوم راي الدولة الاستراتيجي الاخير في النظام الموازي هل يستمر ام لا، وهل نسمح بأنشاء مزيد من الجامعات الخاصة المتخصصة؟
الملك المنقذ من الازمات
اليوم تركنا قرار مهمة توقيت بدء اصلاح مسارات التعليم الصعبة للقدر والزمان، املين كما جرت العادة، تدخل جلالة الملك المنقذ من الازمات، ان يتدخل بإرادة ملكية مصحوبا بحشد وطني واكاديمي راغب بإصلاح التعليم، ودعم الراي العام المتعطش ليعلق جرس الإصلاح والتحديث الذي تأخر.
ونامل ان لا يكون الوقت قد فات على عملية الاصلاح والتحديث، وان تكون كلفة التغيير والتحديث المنشود في التعليم اذا تم، ضمن امكاناتنا الادارية والمالية والثقافية. والسؤال هو: متى يعلق الملك الجرس