اصلاح وتحديث التعليم العام والعالي– من يعلق الجرس 2

اصلاح وتحديث التعليم العام والعالي– من يعلق الجرس 2

الدكتور صالح ارشيدات

السؤال الذي لا بد ان يطرح اليوم هو، هل لا زال الوقت متاحا و المجال مفتوحا لا صلاح وتحديث منظومة التعليم بشقيه، العام والعالي، بعد ان تراكمت واستفحلت التحديات؟ وما هو نظام التعليم الذي يناسب مستقبل الاردن الحديث؟
كتبت في ديسمبر2014 في الدستور الغراء مقالا تحت عنوان: اصلاح التعليم العام 1-2وتداعيات ذلك على مخرجات التعليم العالي والاقتصاد الوطني، اجتهدت فيه وقلت:
يدور على الساحة الاردنية منذ فترة طويلة جدا حوار شعبي ورسمي ونخبوي حول ضرورة اصلاح التعليم بشقيه، العام والعالي، بعد ان تراكمت التحديات، وعلى راسها تراجع مستوىمخرجات التعليم و مستوى الخريجين عما يمكن ان يحققه الاردن،وتزايد اعداد العاطلين من الاكاديميين عن دخول سوق العمل المشوهة البعيدة عن احتياجات السوق الحالي،ويصاحب هذا الحوار وجود مبادرات نخبوية ومطالبات شعبية وضرورات اجتماعية واقتصادية عديدة لا صلاح وتحديث التعليم وعلى رأسها ما ورد في خطابات جلالة الملك من توجيهات حقيقية حول الموضوع، وكذلك نتائج تقارير اللجانالفنية الوزارية والخاصة والمؤتمرات التي شكلت لهذه الغاية منذ المؤتمر الوطني للتطوير التربوي عام 1987 وحتى وقتنا هذا.

التعليم العام
حيث تطرقت معظم اوراق ومسودة الخطط الوزارية والخاصة فيما يتعلق بإصلاحالتعليم العامالى جميع مكونات العملية التعليمية والتربوية، من ضرورة تعديل وتحديث بعض المناهج الانسانية والثقافيةالمتعثرة في اداء مهمتها، وتعميق اسلوب التفكير العلمي في البحث والتطبيق، والتركيز على الكيف دون الكم واختيار التخصصات بحجم فرص العمل ومتطلبات المستقبل– واهمية اعادة تأهيل المعلم الذي تراجع دوره في العملية التربوية والتعليمية- وتأهيل المدارس الحكومية، وتفعيل دور المجتمع الاهليالمحيط ودور الاسرة في فترة ما قبل المدرسة، وأهمية ابراز وزيادة مساهمة التعليم المهني والتقني في التعليم العام، ومعالجة تداعياتامتحان شهادة التوجيهي المثيرة للجدل، حيث يدور حوارونقاش واسع ومفيد بين المؤسسات التعليمية وبين المشاركين والمهتمين في التعليم، وخصوصا فيما يتعلق بامتحان شهادة التوجيهي ويسجل لوزارة التربية والتعليم اجراءاتها الجريئة، ولكنها لا تكفي وبحاجة لدعم اكبر من المواطنين والمؤسسات الاخرى ذات العلاقة ،وتبينان هناك نقاط توافقيه واخرى خلافية حول الاولويات والادوات في منظومة اصلاح السياسات التربوية والتعليمية.
-اليوم اعود لا ناقش موضوع اصلاح التعليم العالي وضرورة معالجة التحديات التي تراكمت واصبحت تشكل عائقا امام اصلاح وتحديث التعليم العالي ضمن رؤية شاملة لمنظومة التعليم بشقيه العام والعالي واهمية وجود رؤية شاملة لفلسفة التعليم تحدد نوعية المخرجات، التي تراجعت، باحتياجات السوق والاقتصاد الوطني و ان تحقق التوازن بين الموارد والسكان، حيث ركزت على سياسة القبول في الجامعات والنظام الموازي وقصور المناهج الجامعية عن التحديث المطلوب للاختصاصات المعرفية والتكنولوجية، وغياب الكليات التطبيقية المتوسطة، وغياب ما يسمى ديموقراطية الادارات والحاكمية الجامعية .
التعليم العالي
تطرقت معظم اوراق عمل وابحات اكاديميةومسودة الخطط الوزارية والاكاديمية فيما يتعلق بإصلاحالتعليم العالي الى جميع مكونات ومسار العملية الجامعية في التعليم العالي، وشكلت اكثر من لجنة عليا قدمت توصيات مهمة تصلح كخارطة طريق لا صلاح التعليموتحديثه وموائمته للأردن الحديث منها :تعديل اسس القبول في الجامعات وتطوير التشريعات الحاليةوتطوير محاور الموارد البشرية والبحث العلمي وضمان الجودة والبيئة الجامعية وربط مخرجات التعليم مع حاجة السوق واهمية زيادة نسبة التعليم المهني والتدريبي، كما ناقشت معظم الاوراق اهمية سيادة الحاكمية الرشيدة في القيادة والنزاهة المؤسسية والعدالةفي الادارة والتخطيط الاكاديمي والاداري والمالي وأهمية الاهتمام بالمشاريع الريادية وحاضنات الاعمال.
ولا يقل التحدي في التعليم العالي عنه في التعليم العام، حيث الخريجين بالألاف سنويا وحيث فرص العمل في القطاع الخاص لا تتزايد بنفس الوتيرة مع العلم ان القطاع العام قد اشبع.
-فقد اجمع المشاركون في الحوارات المختلفة على ان قطاع التعليم يعتبر اهم قطاعات واهم محاور التنمية الشاملة في الاردن، وان الاردن حقق خلال العقود الماضية قصة نجاح هائلة على مستوى محلي وعربي دفع بالأردن الى المراكز الاولى عربيا واقليميا.
-ولكن الجميع اكد ايضاً أن قطاع التعليم بشقيه، العام والعالياصبح من الملفات الشائكة والتي لا تستطيع اي جهة لوحدها على فتحه او التقرب منه بسبب ثقله وتعقيداتهومقاومة قوى الشد العكسي المستفيدين من تعقيدات هذا الملف والذي تعدت اثارمخرجاته المتراجعة، موضوع التعليم نفسة ،والمبادئ التي تحكم عملية التطوير وفلسفة السياسة التربوية في الاردن،واهمها :
-الحرص على التوازن النوعي بين الموارد والسكان.
-الحرص على التوازن بين مقومات شخصيتنا الوطنية والانفتاح على الثقافة والعلوم والتكنولوجيا العالمية.
-الحرص على التكيف مع متغيرات العصر وتوفير القدرة الذاتية لتلبية متطلباته في مواكبة التطورات العلمية والمعرفية والثقافية والاجتماعية والقيام بعملية تحول حضاري عميقة شاملة، عنوانها التحديث المستند الى استيعاب العلوم والتكنولوجيا وتوظيفهما في رفع قدرة المؤسسات الوطنية والمواطنين على التكيف مع المتغيرات واستثمار الموارد الوطنية بأعلى مردود ،ويقاس تقدم الامم بنجاحها في الربط العلمي بين النظام التعليمي والتخطيط الاقتصادي وحاجات السوق وبخاصة تخطيط القوى البشرية.
وقد تعدت اثار مخرجات التعليم الحالي فلسفة التعليم نفسه، الى مواضيع مرتبطة بمحاور اساسيةفي حياة الاردنيين،تراجعت مخرجاتها خلال السنوات الفائتة، مثلتراجع مؤشرات الاقتصاد الايجابية في البطالة والفقروضعف مؤشراتالحاكمية والادارةوالعدالة الاجتماعية وقصور منظومة السلوك والمواطنة نحو العنف المجتمعي و محاولة الاخلال بمبادئ سيادة القانون والامن الوطني الذي يميز المجتمع الاردني عن غيره.
-وهي ملفات متشابكة وعلى صلة مع مخرجات التعليم ابتداء من تراجع نوعية التعليم الاساسي بسبب قصوروفقر بعض المناهج المدرسيةوالية النجاح في الصفوف المدرسيةوتداعيات امتحانات شهادة التوجيهي المرعبة وما يصاحبها من عنف مجتمعي ، الى عجز سياسات واجراءات القبول الجامعي المشوهة وهيمنة القوائم الاستثنائية المتعددة على مكونات القبول ،والتي ادتوعكست فيما يبدو ويقال، تدنينوعية التعليم وازدياد اعداد الخريجين العاطلين عن العمل وضعف المستوى الثقافي لطلبة الجامعات بشكل عام،وتراجعمسؤوليات مؤسسات التعليم ومجالسالجامعةومجالس الامناء عن ادوارها في الارشاد الاكاديمي والانشطة والمبادرات الجامعية.
-يضاف اليها تقهقر وتراجع التزام الحكومات بدعم الجامعات الرسمية ماديا الامر الذي اوجد حاضنةالنظام الموازي الذي اصبح كما يقال،مسيطرا على مسارالتعليم العالي ومخرجاته المتراجعة ومسؤولا عن تراجع مستوى الجامعات الاردنية العريقة، ويقال ان تراجع التعليم العالي بدأ مع بداية اعتماد وسيطرة التعليم الموازي في الجامعات الحكومية.
-هناك اجماع على ضرورة اعادة هيكلة مكونات التعليم العاموضرورة زيادة نسبة التعليم المهني والحرفي في المدارس من ما هي عليهالان 13% الى ما فوق 50% من حجم التعليم العام، ضمن خطة اقتصادية تدريبية تعليمية طويلة المدى مرتبطة بالقطاع الخاصوبحاجات السوق الاردني ومتطلباته من الحرف والمهن والخدمات المشابهة، ومرتبطة بتقدم وسائل التعليم والتدريب عالمياً ،
-هناك اجماع على ضرورة الاهتمام بأنشاء دور الحضانات في مساقات التعليم العام وهي تجربة جديدة بحاجة الى ربط اهدافها ومخرجاتها بالتعليم الاساسي.
-هناك اجماع على اهمية اعادة تقييم علاماتشهادة التوجيهي وربطها بسنوات المرحلة الثانوية الثلاثة، وضرورة اعادة توزيع مواد مساق التوجيهي على السنوات الثلاثة فيالمرحلة الثانوية، وربما الغاء امتحان شهادة التوجيهيلاحقاً.
-هناك اجماع ان آلية القبول في الجامعات يجب ان تعدل وتصبح اكثرعدالة واكثر مهنية وتنافسيةمن خلال لجنة خاصة للقبول في الجامعات والتخصصات المطلوبة، مع اعطاء مجالس الامناء ومجالس الجامعات صلاحيات اوسع في رسم سياسية الجامعة وآلية سياسة القبول والتمويل وتحديد المساقات المطلوبة، وربط مسار التعليم العام بمسار التعليم العالي لتحقيق نتائج ايجابية تتعلق بالإدارةالمتكاملةلمنظومه التعليم وربطها بالمناهج والبحث العلمي للوصول الى حاله الاقتصاد المعرفي.
-هناك اجماعان المعلم هو محور العملية التربوية وان هناك ضرورة دائمة لإعادة تأهيل المعلم في مؤسسات معتمدة، ودعمه وحمايته واعادة الاعتبار لمهنته ماليا ونفسيا،واعلاء مكانة المعلم الاجتماعية، ويتطلب ذلك ابتداءا رفع رواتب المعلمين والعاملين في التدريس والاشراف التربوي.
-للتذكير، هناك دول سبقتنا في تأهيل المعلم واعداده بشكل مميز منها المانيا الاتحادية التي يعتبر المعلم متميزاً في مهنته ولديه حوافز هائلة ادارياً ونقابياً ،ولكن اعداده يتم وفق آلية فلسفيه طويلة بعض الشيء، وعلى المدرس الالتحاقبالتدريب العملي لمدة عامين في مراكز تدريب تربوية وعلمية متخصصة،بعد اتمام فترة دراسة عليا لمدة اربع سنوات ونصف والنجاح بامتحانين عامين ليتسنى له ممارسة مهنة التدريس.
-ولكن تأهيل المعلم في المانيا يأتي ضمن تصور شامل للعملية التربوية التعليمية العامةابتداءً من المرحلة الاولى (التعليم الاساسي ومدتها 4 سنوات) ومن ثم المرحلة الاعدادية المتوسطة حيث يذهب 70% من التلاميذ الى المدارس المهنية والتدريبية والصناعية ومنها الى التأهيل العلمي والعملي في المعاهد المتوسطة والمصانع، والحصول بعدها على الشهادةالرسمية( دبلوم) لها مرجعية نقابية ، قبل الانخراط في سوق العمل. اما التعليم الجامعي العالي( بعد شهادة التوجيهي ) فان نسبة المنخرطين فيه لا يتجاوز ال 20% من اعداد تلاميذ التعليم العام، وقد اقتبست مخرجات مؤتمر التطوير التربوي عام 1987 من منهجية التعليم في المانيا ولكنها لم تطبقها كما خططت لها.
التعليم الذي نريد!
ملامح محاور الاصلاح والتحديث في التعليم
-ان ملامح اطار الاصلاح والتحديثالمنشود للتعليم العام والعالي في الاردن قد تم تشخيصها مرارا من خلال دراسات وتوصيات لجان فنية رسمية وخاصة معتمدة، وتؤشر بصراحة الى اجراءات وانتهاكات بعينها، تشمل اليوم محاور اساسيةمعروفة وممارسة حاليا في قطاع التعليم، اصبح تأثيرها السلبي واضح المعالم على التعليم ومخرجاته، وهي بحاجة الى اعادة تقييم منخلال نظرة شمولية جديدةوتوافق اكاديمي وطنيلرؤية شاملة حول ماذا نريد من التعليم الذي يناسب الاردن الحديث؟وكيف الوصول الى ذلك؟ ولعل اهمها بدون ترتيبما يلي:
-اعادة النظر بسياسة القبول الجامعي وتحسين شروطه وزيادة نسبة المنافسة الطبيعية للطلاب بعيدا عن موضوع الكوتات.
-الغاء النظام الموازي تدريجيا والزام الحكوماتدعم الجامعات الرسميةوتعويض الدخل المالي من الموازي والمقدر ب 200 مليون دينار سنويا
-اعادة النظر بالمناهج الجامعية وتوجيهها نحو اختصاصات الاقتصاد المعرفي واحتياجات السوق المحلي والعربي ووقف الاختصاصات المشبعة واعادة تأهيل العاطلين عن العمل فيها.
-ربط مدخلات مسارات التعليم العام من مرحلة الحضانةوالاساسي والاعدادي بمخرجات مسارات التعليم العالي والمتوسط وخصوصا التعليم الحرفي والمهني ورفع نسبته الحالية من 13% الى 50% من حجم التعليم العام، كما أقرته وثائق التطوير التربوي لعام 1987،
– ارجاع الدور الاساسي لكليات المجتمع المتوسطة ومساقاتها التدريسيةالتطبيقية. وسيتبع امتحان شهادة التوجيهي الحالي جزء كبير من هذه الاصلاحات اذا تمت وخصوصا انزال نسبة المتقدمين سنويا لشهادة التوجيهي الى نسبة لا تزيد عن 35% من الرقم الحالي. (128000متقدم لعام 2016).
-انشاء صندوق مالي اعتباري بقانون لدعم تأهيل وتطوير مهنة المعلم في المدارس الحكومية.
-دمقرطة العمل في مؤسسات التعليم العالي وخصوصا مجالس الجامعاتومجالس الامناء واعطاؤها صلاحيات ومسؤولية اخذ القرارات في الجامعات وخصوصا في وضع المناهج و تحديد الاختصاصات وسياسات القبول والتعين وتحفيز اسس الابداع والابتكار واقامة نظم اعتماد عامة وخاصة وضمان نوعية وجودة المدخلات والمخرجات والتوجه نحو الاستثمار في قطاع الابداع والاقتصاد المعرفي. وتحمل مسؤولية النتائج.
هذه المحاور المقترحة هي جزء من محاور اساسية لا صلاح وتحديث التعليم حسب اعتقادي الشخصي بحاجة الى توافق وطني ومؤسسي وبرنامج تنفيذي وتقديرات كلفة ومخصصات مالية كبيرة.

من يعلق الجرس؟
اليوم لا زلنا نقف متفرجين امام ابتعاد مؤسساتنا التعليمية عن تحقيق الاهداف المرجوة من فلسفة التعليم العام والعالي التي خططنا لها قبل سنوات طويلة، ونعجز جميعنا ،من مؤسسات وطنية رسمية واجتماعية وأكاديمية ومفكرين وسياسيين، عن تطبيق خارطة منظومة اصلاح وتحديث التعليم التي خططنا لها جميعا على الورق وفي المؤتمرات المتخصصة، لأننا تأخرنا سنوات طويلة عن الاصلاح والتحديث والتغيير، وترددنا من اين نبدأ، وفزعنا من التداعيات المحتملة بعد ان سمحنا ان ينشأالنظام الموازي للقبول طلبا للدعم الماليالرسمي المفقود، وبعد ان سمحنا بأنشاء العشرات من الجامعات الربحية الخاصة وتركناها اليوم تشكواعدم وجود طلاب جددفي صفوفها وقد تتراجع وربما تغلق لاحقا ويلحق جهازها الفني والاداري بقطار العاطلين عن العمل، بسبب تعقيدات مخرجات شهادة التوجيهيالضرورية، وتركنا قرار مهمة اصلاحمسار التعليم الصعبةللقدروالزمان، املين كما جرت العادة،تدخل جلالة الملك المنقذ من الازمات ان يتدخل بإرادة ملكية مصحوبا بحشد وطني واكاديمي راغب بإصلاح التعليم، وراي عام متعطش، ليعلق الجرس للإصلاح الذي تأخر، ونامل ان لا يكون الوقت قد فات على عملية الاصلاح وان تكون كلفة التغيير والتحديث المنشود في التعليم اذا تم، ضمن امكاناتنا الادارية والمالية والثقافية. من يعلق الجرس؟

التاريخ : 2016/07/02