ارشيدات : أهمية تجديد النخب السياسية الوطنية لمواجهة التحديات القادمة

ارشيدات : أهمية تجديد النخب السياسية الوطنية لمواجهة التحديات القادمة

** مطلوب اعادة تقييم المرحلة السابقة واستخلاص العبر لتوظيفها

** في خدمة المستقبل واستنباط منهجية سياسية واقتصادية مختلفة

في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات, وقعت احداث اقليمية ودولية وداخلية اثرت على مسيرة الاردن السياسية والاقتصادية والاجتماعية اهمها :

حرب الخليج الاولى وبداية تشكيل نظام دولي جديد بدون الاتحاد السوفيتي وفك الارتباط الاداري والقانوي مع الضفة الغربية المحتلة وتراجع الوضع الاقتصادي الاردني بشدة عام 1988 تلتها احداث معان المشهورة التي نادت بالإصلاح الشامل وكانت من الاسباب الرئيسة التي دعت المغفور له الملك حسين الى اتخاذ اجراءات سياسية داخلية سريعة تمثلت بالدعوة لأجراء انتخابات نيابية عام 89 بعد انقطاع دام سنوات طويلة حيث تمت تلك الانتخابات بكل نزاهة وجدية وشارك فيها معظم القوى الشعبية السياسية والفكرية رغم قرارات الحظر على بعض القوى والاحزاب السياسية.

وافرزت مجلس نواب قويا وجامحا ومتعدد الاطياف السياسية والفكرية شكل منعطفا في الحياة السياسية الاردنية ودعما للنظام السياسي، لا زالت بصماته الوطنية الايجابية ماثلة على الحياة السياسية والقوانين والاجراءات حتى اليوم تبعه انتخابات المجلس الثاني عشر عام 93 ولكن على قانون انتخاب جديد وجدلي وهو قانون الصوت الواحد وضم المجلس النيابي الثاني عشر القوي ايضا معظم نواب المجلس الحادي عشر من مختلف الاطياف السياسية والفكرية والمستقلة لا زال جزء بسيط من اعضائه السابقين تعمل على الساحة السياسية والبرلمانية حتى اليوم.

ويمكن القول ان الفترة ما بين 1989 وعام 998 1 هي الفترة التي شكلت خلالها معظم مخزون ذخيرة القوى والنخب السياسية والبرلمانية والاقتصادية والاجتماعية التي تعمل على الساحة الاردنية اليوم، ولكن معظم رموزها الوطنية بدأت تتلاشى تدريجيا واصبحنا اليوم وبعد ثلاثين عاما بحاجة ماسة الى تجديد النخب السياسية وبالتالي الى تجديد الحياة السياسة وماكنة الادارة والمؤسسات الحكومية حفاظا على ديمومة شباب الدولة وذخيرتها البشرية ونخبها الكفؤة.

كشف حساب للأحداث والتحديات

ولو مررنا سريعا على محطات السنوات الثلاثين الماضية لشهدنا كما هائلا من الاحداث الاقليمية والدولية والداخلية قد حصلت في الاقليم وحول الاردن وان ملفات جديدة وتحديات جديدة قد فتحت في الاقليم العربي اخرها المفاجأة الاميركية اعلان القدس عاصمة لإسرائيل وتعثر عملية السلام العربية الاسرائيلية والحروب المذهبية والاهلية المستمرة في دول الجوار وتداعياتها المتلاحقة على المنطقة واستمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه الاردن واغلاق الحدود امام صادراته الى اسواقه التقليدية وارتفاع المديونية وخصوصا في السنوات الاخيرة بعد استقبال الاردن مليونا ونصف مليون لأجيء سوري والذي يؤثر سلبا على مستويات ونسب البطالة والفقر والتضخم في ظل تراجع نسبة الدعم المقدم للأردن عالميا ومن الاشقاء العرب بسبب تراجع اسعار البترول عالميا.

كما برزت تحديات مكافحة عقيدة الارهاب والتطرف الفكرية والامنية والهجرة السكانية الكبيرة التي عمت العالم والتي تتطلب مسؤوليات ومقاربات جديدة وخصوصا بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت في ظل العولمة وفي ظل فشل مشاريع السلام العربية الاسرائيلية وفشل حل الدولتين والرجوع الى مربع الصفر في معالجة القضية الفلسطينية والتي هي اساس كل المشاكل في الاقليم والعالم والذي توج بقرار الرئيس الاميركي المفاجئ بنقل السفارة الاميركية الى القدس واعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل وتبعات ذلك القرار على الفلسطينيين والاردن بالذات المعني بالوصايا على الاماكن المقدسة فيها والذي حمل لواء القضية الفلسطينية في الداخل والخارج لعشرات السنين.

كما يواجه الاردن التبعات السياسية والاقتصادية من نتائج حروب ما سمي بالربيع العربي في دول الجوار سوريا والعراق وانخراط دول الاقليم ايران وتركيا وتحديات داخلية اردنية تؤثر على مسيرة التنمية السياسية والاصلاح الشامل بسبب تزايد حالة من الاصطفاف السياسي والعسكري والاعلامي داخل دول الاقليم المعنية بالصراع في غياب دور فعال للنظام العربي في ما يجري من احداث.

تلاحم الموقف الرسمي والشعبي!

لقد عبر الاردن الشعبي والرسمي بقيادة الملك بعد احداث القدس الاخيرة بشكل غير مسبوق من الشجاعة والتجانس والوطنية عن غضبه الشديد تجاه ما يجري من احداث واختراقات لقضية السلام العربي الاسرائيلي وفي مقدمتها موضوع مستقبل مدينة القدس المؤجل مع غيرها من البنود، لمباحثات الوضع النهائي التي اوقفت، والجدل الرسمي العربي عما يجري، حيث شكل الموقف العالمي الايجابي للدول الكبرى فرنسا وبريطانيا والمانيا وغيرها ضد قرار الرئيس ترمب في مجلس الامن مؤخرا ونتائج انعقاد قمة المؤتمر الاسلامي الاخيرة في اسطنبول والذي لعب الملك عبدالله دورا قياديا بارزا فيه وموقف البابا في الفاتكيان نصرا جديدا للموقف الاردني وللملك عبدالله شخصيا، تجاه حملة رفض قرار الاعتراف الاميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل والدعوة للاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية في اطار حل الدولتين الذي يشكل البديل الوحيد لتحقيق السلام في الاقليم.

التحديات القادمة

وبالرغم من كل الانجازات الاردنية، الا ان التحديات السياسية الاقليمية الحالية بانحياز اميركا الكامل لإسرائيل وتخليها عن رعاية مشاريع السلام وغياب النظام العربي والموقف العربي الموحد، بدأت الامور تأخذ منحى اخر لا نعرف تداعياته المستقبلية والتي يمكن ان تهدد الاردن واستقراره في غياب الاستعداد الاردني والعربي لا سمح الله، لتلك التداعيات التي تدعو الى اعادة ترسيم دول الاقليم العربي على اسس مذهبية وطائفية في غياب الدور والقرار العربي وفي ظهور ادوار جديدة لدول اقليمية على راسها اسرائيل، التي تهدف الى ان تصيح دولة يهودية وتداعيات ذلك على الاردن وعلى الشعب الفلسطيني. والتي استفادت من القرار الاميركي لتحقيق حلمها التاريخي.

وكذلك تزايد بروز الدور الايراني بعد توقيع الاتفاق النووي، الدور العابر للدول المجاورة في محاولة لنشر الثورة الايرانية ورسالتها السياسية والدينية المسيسة والتي يراد لها ان تتصادم مع الدول ذات المذاهب السنية وعلى راسها السعودية بالذات مما يشكل بيئة خصبة للتنظيمات المسلحة الارهابية لجر دول الاقليم الى حرب دينية.

كيف يواجه الاردن الاخطار القادمة؟

تجديد مخزون ومكونات النخب السياسة

والاقتصادية الاردنية

لقد كشفت الاحداث الاخيرة وتداعياتها وحدة كل الأردنيين من مختلف المنابت والاصول حول القضايا الوطنية والقضية الفلسطينية تحديدا، ووقوفهم خلف قيادتهم الشرعية الملك عبدالله ابن الحسين والقوات المسلحة الاردنية واحترام الدستور، وهي من الثوابت الوطنية التي توافق عليها الاردنيون منذ انشاء الدولة الاردنية.

فقد شهدت الساحة الاردنية مؤخرا حالة متميزة وجديدة من التقارب الشعبي والرسمي الذي عبرت عنه الحكومة بشجاعة من خلال دعوة المواطنين المشاركة في التعبير عن رفض الأردنيين لقرار الرئيس الاميركي حول القدس، فالمواطن شريك اساسي في تحمل المسؤولية الوطنية وهو قرار اثبت نجاعة كبيرة لدور الارادة السياسية في استنهاض الراي العام وتوظيفه ايجابيا، يجب استمراره وترسيخه ذهنيا ،لمعالجة كل التحديات السياسية والاقتصادية التي يواجها الاردن.

الخيارات – تجديد النخب السياسية

المطلوب اردنيا باعتقادي هو ضرورة اعادة تقييم المرحلة السابقة بكل انجازاتها واخفاقاتها الداخلية والخارجية واستخلاص العبر من تلك المرحلة لتوظيفه في خدمة المستقبل وتحدياته الجديدة واستنباط منهجية سياسية واقتصادية مختلفة تقوم على الثوابت الاردنية الراسخة وتجديد مخزون ومكونات النخب السياسة والاقتصادية الاردنية وعلى رصيد القيادة الهاشمية المتميز على الساحة الداخلية العربية والاقليمية والدولية.

هذه المنهجية السياسية والاقتصادية الجديدة يمكن ان تبدا من تحقيق تعظيم المشاركة الشعبية والسياسية والثقافية التعددية في صنع القرار وتعزيز النهج الديموقراطي وتحقيق ديموقراطية النظام السياسي نحو رؤية الدولة المدنية الحديثة من خلال اعتماد الاوراق النقاشية الملكية كمرجعية سياسية وفكرية تعبر عن فلسفة الحكم التقدمية الرائدة في الاقليم، لمستقبل الاردن الجديد وتحويل مضمن الاوراق النقاشية الى برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي ملزم لكل مؤسسات الدولة الرسمية وشبه الرسمية والخاصة ووضع برنامج زمني للوصول الى الاهداف المرجوة.

في الجانب العربي

اعادة النظر في مفهوم النظام العربي ضمن رؤية جديدة لتجارب الماضي والبحث عن خلق تحالفات عربية للبدء في صياغة ميثاق جديد للنظام العربي القادم يضع نصب عينيه حقوق الانسان العربي وحرياته وامنه وازدهاره وخلق مؤسسات عربية حقيقية قادرة على التنفيذ الجاد لقرارات النظام العربي الملزمة.

في الجانب الدولي

اعادة النظر في منظومة العلاقات الدولية الاردنية والتحالفات الايجابية لقضايا الامة العربية والاستفادة من المكانة المتميزة للدور الاردني وجهود الملك عبدالله الثاني لاعادة تشكيل اطار الدبلوماسية الاردنية المرن والفعال على كل المستويات.