إطلاق تيار سياسي جديد في الأردن

إطلاق تيار سياسي جديد في الأردن

أطلقت ستة أحزاب سياسية أردنية وهي : أردن أقوى ، الإصلاح والتجديد، التجمع الوطني الديمقراطي ، التيار الوطني ، الحياة ، والعون ، تيارا إئتلافيا جديدا يحمل إسم’تيار التجديد’ ، بعد التغلب على المشكلة الإئتلافية الإستراتيجية القديمة التي تواجه المؤتلفين وهي : لمن الزعامة؟ وقد إتفق المؤتلفون هنا على أن تكون رئاسة التيار دورية وأن الزعيم هو صاحب الأفكار الجيدة.

هناك ملاحظتان يجب توضيحهما قبل الغوص في الموضوع ، وهما أنه تأجل في المرة الأولى دون الإفصاح عن السبب ، فيما كانت الملاحظة الثانية دور التلفاز الأردني الرسمي الذي كان يتوجب عليه أن يكون شاهدا على الحدث ، وتسويقه للمواطن الأردني على إفتراض أن هناك مواطنين يشاهدون هذه الشاشة التي تتحدث عن حلب عندما يكون الخبر عن طبريا على سبيل المثال.

وخلال تنويه أحد الأمناء العامين للأحزاب المؤتلفة في كلمته على غياب هذه الشاشة الوطنية الرسمية ، قيل له أن التلفاز الأردني الرسمي حضر متأخرا وعلى إستحياء وغادر على عجل ، ويقيني أن هذه أول رسالة عدم رضا رسمي على هذا الإئتلاف الذي يصب في مصلحة الوطن ، وأعلن أمناؤه العامون الستة وقواعدهم ، ولاءهم المطلق للقيادة الهاشمية التي أكدوا أنها صمام الأمان في الأردن.

وهذا يعني أننا لا نريد أحزابا ذات برامج فكرية وإقتصادية وتنموية ، لأن هناك من لا يريد التغيير للأفضل ، بمعنى أن الرفض مايزال قائما للأحزاب ذات المفاهيم الحزبية المرتبطة بالشعب ، وأن الرغبة موجودة لخلق أحزاب وهمية ، يتم إختيار رمزها الأول من القوائم المحسوبة على الموالاة الإنتهازية ، بغض النظر عن مقدرتها على الولاء الصادق ، كما نشاهد هذه الأيام زحمة في الأحزاب التي وصل عددها نحو أربعين حزبا والحبل على الجرار .

ما ضر لو أن التلفاز الوطني الأردني حضر مبكرا وغادر آخر الناس لينقل الحدث كما هو للشعب ، حتى تكون الرسالة واضحة وهي أننا مقبلون على التغيير والتجديد ، وأن الرسمي والشعبي على متفقون على هذه الخطوة ، وصولا إلى مرحلة اكثر جديدة وهي إئتلافان كبيران يعملان من أجل تحقيق مرحلة الحكومة البرلمانية ، كي يكون الملك في حل من الخطايا التي ترتكبها الحكومات التي تفشل في تنفيذ التوجيهات الملكية السامية ، شأنها شأن مجالس النواب المتعاقبة التي تتنازل عن وظيفتها الأساسية في المراقبة والتشريع ، وتقبل طائعة بأن تكون ألعوبة بيد الحكومات .

الإئتلافات التي نتحدث عنها هي الطريق الصحيح لتحقيق الديمقراطية والمواطنة الحقة وتوفير الفرص ، ليكون الجميع جنودا متطوعين من أجل نهضة الوطن ، لا أن تبقى نظرية ‘محمد يرث ومحمد لا يرث ‘، وتحول الموالاة من شعار إنتهازي ، إلى فعل واقع على الأرض ، وتصبح النظرة إلى الوطن نظرة إنتماء لا بقرة حلوب ، وما نشاهده أن من يدعون الموالاة هم العبء الأكبر على الوطن وعلى قيادته.

صحيح أننا في الأردن وحسب الإحصائيات الأخيرة وصلنا إلى 6.5 مليون مواطن ، منا نحو 85% متحالفون قسرا مع خط الفقر ، فيما يمتلك الباقون ما قيمته 24 مليار دينار مودعة في البنوك الخارجية ، وأن أحزابنا بمجملها تتراوح في ادائها ما بين الصفر وتحت الصفر ، لأسباب كثيرة أهمها عدم السماح بالإنتماء للأحزاب ، ورسم أحزاب على الورق ، علما أن الشعب الأردني الذي يمتاز بتعددية حباه الله بها ، تشمل المساحة ما بين شاطيء البحر المتوسط الشرقي حتى شاطيء بحر قزوين الغربي، كما أنه من اعلى المستويات الثقافية في الوطن العربي وصاحب أفكار منفتحة وقدرة رهيبة على الإدارة ، ووجود الأردنيين في الخارج دليل على ذلك .

ما يجري في الجامعات الأردنية على وجه الخصوص يتطلب إعادة التفكير في الواقع ، فشبابنا ممنوع عليهم الإنتماء الحزبي ، ولو جرى توظيف الحراك الجامعي الشبابي من خلال الإنخراط في الحزاب ، لوجدنا أننا نعيش واقعا آخر لا يتسم بالتشنج ولا تغلب عليه العشائرية والإقليمية ، ويقضي طلابنا معظم وقتهم في ممارسة العنف داخل اسوار الجامعة .

ولو أننا سمحنا لشبابنا بالتحزب لخرجنا بنتيجة مذهلة وهي أننا سنكسب شبابنا الذي يتخرج أشد عودا وأكثر إنفتاحا وأجمد إنتماء وأكثر وعيا ، لكننا عندما نمنع شبابنا من حقهم في الحياة ، نعمل على تخريج شباب جامعي ضائع تائه شبه أمي فاقد للبوصلة ، لذلك لا يحق لنا لومهم لعدم عطائهم وطريقة تفكيرهم.

المواطنة الحقة هي الزمردة المفقودة التي يكمن فيها سر التقدم والنجاح ، وهي مفتاح الولاء والإنمتاء ، كما أنها صمام الأمان للوطن والشعب والقيادة ، وما جرى وسوف يجري لا حقا في العالم العربي ، إنما مرده لإنعدام المواطنة ، وليعلم الجميع وأخص بالذكر البطانات غير الصالحة التي تشكل حاجزا بين القيادة والشعب ، أن الشعب هو حامي القيادة ، لأن أمريكا لا صديق دائما لها بل تبحث عن مصالحها ، رغم أنها تقدم القشور لصناع القرار للحصول منهم على اللب ، وكذلك مستدمرة إسرائيل التي لا عهد ولا ميثاق ولا حليف أو صديق لها ، ولا تحمي احدا ، ولنا في أكباش الحراكات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن ، وقبلهم شاه إيران المقبور خير مثال على ذلك.

جربنا في الأردن بعضا من الفوضى ولكن الله سلم وخرجنا بأقل الخسائر ، رابحين نظاما وشعبا ، ومع ذلك علينا عدم طي هذه الصفحة وتنحيتها جانبا ، لأن المطلوب منا جميعا تعميق دراسة الحالة من جميع جوانبها ، وتكليف شخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة والمصداقية ، همها الوطن المستقر والمواطن السعيد ، للخروج بتصورات تتعلق بما جرى وسر عدم المطالبة بإسقاط النظام بل إصلاحه ، وإعلان توصيات صادقة تخرج من قلب الحدث ، لا ما يتخيل البعض أنه يرضي القيادة التي إكتشفت زيف التقارير التي كانت ترفع لها عن أسباب الحراك.

الأردن ليس فقيرا ، ففيه من الثروات الباطنية ما يجعل منه دولة قوية غنية وشعبها سعيد ، وتكون في غنى عن العيش على تبرعات وصدقات البعض القريب والبعيد ، والتي نحصل عليها مقابل خدمات إستراتيجية هائلة نقدمها لمن يقدمون لنا المنح والهبات ، ولو أننا قيمنا ثمن خدماتنا لاكتشفنا أنها تساوي مليون ضعف ما نحصل عليه ، لكننا إرتضينا أن نقدم الذهب والبلوتونيوم والماس مقابل الحصول على جزء من ورقة بيضاء أو قطعة نحاس ، والسؤال هو : كم يستحق الأردن مقابل حمايته لحدود إسرائيال ، والحفاظ على أمنها ، إضافة إلى حمايته لحدود الأشقار العرب الجيران من إغراقهم بالمخدرات على سبيل المثال؟
مطلوب من المعنيين في الأردن تنفيذ قسمهم بأنهم سيخلصون للملك والوطن ، بأن يختطوا سياسة جديدة تنطلق من المواطنة الحقة والتنمية والديمقراطية والحرية وضمان العمل الحزبي الجاد والهادف لنقلة نوعية في الأداء ، وصولا إلى الدولة المدنية الحديثة.

اسعد العزوني